عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم د. منصور المغربي يكتب: الجسد بعد الموت… بين إنسانية الطب وحرمة الوجدان - بوابة نيوز مصر
هل يحق لنا أن نطلب من أمٍ ثكلى أو أبٍ مكلوم أن يسمح بفتح جسد ابنه تحت اسم الإنسانية؟
ليست كل القضايا التي تُقدَّم تحت لافتة “الإنسانية” قضايا إنسانية بالضرورة. فثمة مسافة دقيقة تفصل بين ما يخدم حياة البشر، وما يمسّ كرامتهم العميقة في أكثر لحظاتهم هشاشة: لحظة الموت.
إن مقترح التبرع بالأنسجة بعد الوفاة يبدو للوهلة الأولى فكرة نبيلة، لكنه عند النظر إليه من زاوية علم النفس والسلوك الإنساني يكشف طبقات معقّدة من الألم والقلق والصراع القيمي، لا يجوز القفز فوقها باسم الاحتياج الطبي.
الجسد في الوعي الإنساني ليس مجرد وعاء بيولوجي تنتهي قيمته بتوقف القلب. هو الذاكرة الملموسة للإنسان، ملامح الأب، ودفء الأم، وصورة الابن التي تعيش في وجدان أسرته. لذلك يتعامل العقل الجمعي مع جسد الميت بوصفه الامتداد الأخير لكرامة صاحبه، وأي مساس به يُستقبل نفسيًا كاعتداء رمزي على الإنسان ذاته.
علم النفس يؤكد أن ساعات الوفاة هي أكثر اللحظات اضطرابًا في حياة الأسرة. الذهول، والإنكار، والرغبة في التمسك بأي أثر من الفقيد، كلها تجعل القدرة على اتخاذ قرار حرٍّ ومسؤول شبه مستحيلة. فكيف نطلب من أمٍ مكلومة أو أبٍ مفجوع أن يوقّع على السماح بفتح جسد من أحب، بينما هو لم يستوعب بعد معنى الفقد؟
إن الدفن الكريم في ثقافتنا ليس إجراءً شكليًا، بل طقسٌ للسلام النفسي. سلامة الجسد جزء من طمأنينة الأحياء قبل الأموات. وعندما يُنتهك هذا المعنى، يتولد لدى الأسرة شعورٌ طويل الأمد بالذنب: كيف سمحنا أن يُمس جسد من نحب؟ وهو شعور قد يتحول إلى حزنٍ مرضي واضطرابات نفسية تمتد لسنوات.
ثم إن تحويل الجسد بعد الوفاة إلى موردٍ طبي – مهما حسنت النوايا – يحمل خطر تآكل القيمة الرمزية للإنسان، ويفتح بابًا لتسليع الجسد تحت عناوين براقة. المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على إنقاذ الأحياء، بل أيضًا بقدرتها على احترام الأموات.
السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن الاستفادة من الأنسجة؟
بل: هل من العدل الإنساني أن نضع الأسرة في امتحان أخلاقي فوق طاقتها؟
وهل يحق للطب أن يتجاوز حدود الوجدان باسم الحاجة؟
إن الإنسانية التي نؤمن بها تبدأ من احترام مشاعر الفقد، وصون حرمة الجسد، وترك الأسرة تودّع فقيدها بسلام دون أن نحمّلها عبئ قرارٍ سيظل يطارد ضميرها ما بقيت على قيد الحياة.
لسنا ضد إنقاذ حياة إنسان، لكننا ضد أن يتم ذلك على حساب كرامة إنسان آخر، حتى وإن كان قد غادر الدنيا. فالموت ليس نهاية الحقوق، بل آخر أبواب صونها.




