عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم مدحت نافع يحلل ملف الطاقة.. تراجع الإنتاج وضغوط الاستهلاك وسيناريوهات المستقبل - بوابة نيوز مصر
في مواجهة صريحة مع ملف من أعقد الملفات الاقتصادية التي تشغل الرأي العام المصري، وضع د. مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وعضو غرفة الصناعات البترولية، النقاط على الحروف فيما يخص أزمة إنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي.
بأسلوب تحليلي يبتعد عن العاطفة ويستند إلى الأرقام، شرح د. مدحت نافع في حوار مع برنامج 90 دقيقة على قناة المحور كيف تداخلت الحروب الإقليمية، وتقلبات المناخ، وضغوط الاستثمار الأجنبي لتضع مصر أمام خيارات صعبة. بين "إدارة المخاطر" التي تمنع الأزمات، و"إدارة الأزمات" التي تفرض حلولاً مكلفة.
رسم د. مدحت نافع خارطة طريق لفهم تراجع الإنتاج، وسبل التعافي، والدروس المستفادة من فاتورة استيراد الغاز المسال الباهظة، مؤكداً أن الشفافية هي الضمانة الوحيدة لنجاح أي برنامج إصلاحي.
تراجع الإنتاج والعوامل المؤثرة
أكّد د. مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن ملف الغاز الطبيعي في مصر يشهد بالفعل تراجعًا في الإنتاج منذ عام 2021، موضحًا أن هذا التراجع ليس محل إنكار، لكنه نتاج تداخل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، والعارضة والمزمنة، ولا يمكن عزله عن السياقين الإقليمي والدولي.
وأوضح أن العوامل العالمية لعبت دورًا ضاغطًا، في مقدمتها تداعيات جائحة كورونا وما تبعها من تعافٍ اقتصادي سريع رفع الطلب على الطاقة، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية التي أحدثت أزمة في إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، ورفعت الطلب العالمي على مختلف مصادر الطاقة الكربونية.
وأشار إلى أن العوامل الإقليمية كان لها تأثير مباشر، خاصة الحرب في غزة، التي أدت إلى اضطراب إمدادات غاز شرق المتوسط، والتي كانت تصل إلى مصر بانتظام، ليس فقط بغرض إعادة التصدير، وإنما أيضًا لسد فجوات العجز في أوقات الذروة.
وأضاف أن البيانات الرسمية الخاصة بمعدلات الإنتاج تظهر تباطؤًا واضحًا في وتيرة التراجع، لافتًا إلى أن هذا التباطؤ بدأ في التحسن اعتبارًا من يوليو 2024، وهو التوقيت الذي تزامن مع تشكيل الحكومة الجديدة وتولي وزير البترول الحالي مهام منصبه. وبيّن أن معدل التراجع، الذي وصل في بعض فترات عام 2024 إلى نحو 80 مليون قدم مكعب يوميًا، انخفض تدريجيًا حتى بلغ قرابة 19 مليون قدم مكعب في الفترات الأخيرة، بما يشير إلى استقرار نسبي في منحنى الانخفاض.
وشدد د. مدحت نافع على أهمية قراءة الأرقام في سياقها الزمني والسببي، موضحًا أنه لا يفضل تحليل السلاسل الزمنية بمعزل عن العوامل المؤثرة، بل يركز على العلاقة السببية بين المتغيرات، خاصة في قطاع شديد التعقيد كقطاع الطاقة.
الضغوط المحلية وارتفاع الاستهلاك
ولفت إلى أن جانبًا من التراجع يرتبط بعوامل محلية، في مقدمتها الضغوط التي تعرض لها الشريك الأجنبي نتيجة نقص العملة الصعبة، ما صعّب عليه تحويل مستحقاته، ودفعه إلى تقليص أنشطة الحفر والاستكشاف الجديدة، سواء في الحقول المكتشفة أو الحقول الكبرى، وعلى رأسها حقل “ظهر”. وأوضح أن إرهاق بعض الآبار لا يعني نضوب الحقل، وإنما الحاجة إلى حفر آبار جديدة، وهي عملية تتطلب ما بين ثلاث إلى أربع سنوات حتى تؤتي ثمارها.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق بالإنتاج فقط، بل بالاستهلاك أيضًا، مشيرًا إلى أن الطلب على الغاز شهد ارتفاعًا ملحوظًا لعدة أسباب، منها النمو السكاني الطبيعي، والتوسع في النشاط الصناعي، فضلًا عن زيادة الاستهلاك الناتجة عن الهجرة الوافدة، التي قدّرها بنحو 10 ملايين شخص خلال السنوات الأخيرة، وفق ما أعلنه رئيس الجمهورية.
وأضاف أن التغيرات المناخية والاحتباس الحراري أدت إلى صيف أكثر حرارة عامًا بعد عام، ما رفع استهلاك الكهرباء والمياه، وبالتالي زاد الضغط على الغاز الطبيعي المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء وتحلية المياه.
إدارة الأزمة قصيرة وطويلة الأجل
وشرح أن هذا التداخل بين تراجع الإنتاج وارتفاع الاستهلاك خلق فجوة واضحة في ميزان الطاقة، كان يمكن إدارتها بشكل أفضل لو وُجد تخطيط طويل الأجل لإدارة مخاطر الطاقة، بدلًا من الاعتماد على دورات فائض وعجز متكررة دون تحقيق توازن مستدام.
وأشار إلى أن الوزير الحالي واجه عند توليه المنصب نوعين من التحديات، أولهما إدارة أزمة حادة قصيرة الأجل تتطلب حلولًا عاجلة، وثانيهما وضع أسس تنموية طويلة الأجل تشمل تنمية الحقول والاكتشافات الجديدة، وبناء سياسات مرنة قادرة على امتصاص الصدمات المستقبلية.
وأوضح أن إدارة الأزمة في الأجل القصير لا تتيح زيادة سريعة في الإنتاج، ما يستدعي اللجوء إلى إجراءات بديلة، مشيرًا إلى أن قطع الكهرباء كان الخيار الأسهل في تجارب سابقة، لكنه يحمل آثارًا سلبية جسيمة على الاستثمار والاستقرار الاقتصادي، وهو ما تم تجنبه في الأزمة الأخيرة.
استيراد الغاز المسال وتنويع المصادر
وأضاف أن استراتيجية مزيج الطاقة تستهدف الوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول عام 2040، إلا أن التقدم المحقق حتى الآن لا يزال أقل من المستهدف، ما أبقى الضغط الأكبر على مصادر الطاقة الكربونية.
وأشار إلى أن من بين القرارات المحورية في إدارة الأزمة الاعتماد على سفن التغويز لاستيراد الغاز المسال، مؤكدًا أن هذا الخيار كان ضروريًا للحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية وتشغيل المصانع، في ظل تعطل بعض الإمدادات الإقليمية وارتفاع الأسعار العالمية.
وأوضح أن استيراد الغاز المسال يتطلب تجهيزات فنية معقدة، تبدأ من التعاقدات الدولية، مرورًا بتجهيز الموانئ ومنصات الاستقبال، وانتهاءً بعمليات التغويز وربط الغاز بالشبكة القومية، مشددًا على أن إنجاز هذه المنظومة في وقت قياسي كان عاملًا حاسمًا في تجنب انقطاعات واسعة للكهرباء خلال فصل الصيف.
وأكد د. مدحت نافع أن العقود طويلة الأجل وعقود التحوط تمثل عنصرًا حاسمًا في ضبط السوق، موضحًا أن أسعار الغاز القادمة عبر عقود مستقرة أفضل بكثير من أسعار السوق الفورية.
وأشار إلى أن تنويع مصادر الغاز مسألة أساسية لتقليل مخاطر التركز، سواء في الإنتاج أو الاستيراد، مشيرًا إلى الاعتماد الكبير على حقل ظهر، وهو حقل استثنائي، لكنه شدد على ضرورة عدم الاعتماد على مصدر واحد فقط.
الشفافية والاستثمارات وحق المواطن
وأضاف أن العقود الدولية للطاقة لا تخضع فقط لعوامل اقتصادية، بل تتداخل فيها اعتبارات سياسية وقانونية وتجارية، موضحًا أن الإفصاح الكامل عن الأسعار في الإعلام قد يضر بالموقف التفاوضي للدولة ويؤدي إلى ضغوط سعرية إضافية، وهو ما يفسر تحفظ الوزارة في بعض الأحيان.
وأوضح أن الاستثمارات المعلنة في قطاع الطاقة، والتي بلغت نحو 17 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، تعكس توجهًا واضحًا لدعم القطاع، مشيرًا إلى تقارير دولية، من بينها تقرير لفيتش، تحدثت عن تراجع إنتاج الغاز ثم استقراره، وهو ما قد يشير إلى بداية انعكاس الاتجاه نحو التحسن.
وأشار إلى أن الضغوط المالية على قطاع البترول تأتي بدرجة كبيرة من مديونية الكهرباء التي تصل إلى نحو 390 مليار جنيه، وهو ما يؤثر على خطط الاستثمار.
وأكد د. مدحت نافع أن إدارة الأزمة لا تُقاس بمنطق الغالي والرخيص، بل بالقدرة على تلبية الاحتياجات في ظرف استثنائي عالمي، موضحًا أن إدارة الأزمة تختلف عن إدارة المخاطر، وأن محدودية الأدوات في وقت الأزمة لا تعني تبرئة من قصور سابق في إدارة المخاطر.
وأوضح أن من حق المواطن أن يسأل ويراقب ويحاسب ويفهم، حتى وإن لم يكن ملمًا بتفاصيل التعاقدات أو آليات تسعيرها، مؤكدًا أن الشفافية تمثل أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع.




