عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم يوم التأسيس... ملحمةُ الرسوخ التاريخي ووطنٌ يتجدّد بالمجد والسيادة - بوابة نيوز مصر
من تأسيسها إلى رؤيتها... الدولة السعودية وذاكرتها الشفهية
يُعَدُ العربُ، في تكوينهم الأساس وهويتهم الثقافية وبنيتهم التراثية، أمةً «شفاهيةً» لا «كتابيةً»، مفتونون بالشعر، يسحرهم الكلام، وتحركهم العبارة، يحتفون بالكلمة ويجسدون بها صوراً حية عن حياتهم وبيئتهم وقيمهم وأخلاقهم، وظلت أشعارهم وأمثالهم وحكاياتهم؛ بل وحتى أنسابهم وتواريخ أيامهم تترجمها منطوقاتهم، تناقلها الألسن وتصغي لها الآذان، وما زالت «العنعنات»، وسلسلة «الأسانيد» في أمهات كتب المغازي والسير والتاريخ، علاوة على الإجازات في التلاوات القرآنية وفي روايات الأحاديث النبوية، شاهداً حياً على محورية «الشفهية» في الثقافة العربية؛ كل ذلك مستمر رغم اتساع آفاق ثقافة العرب وتطور طرائق التدوين والكتابة العربية في شتى الفنون والعلوم والآداب.
الذاكرة الوطنية بوصفها عنصر شرعية
الدول لا تستند إلى الأرض والسلطة فحسب، بل إلى سردية مشتركة تمنحها المعنى والاستمرار. والذاكرة الشفهية السعودية أسهمت في تكوين سردية وطنية، إذ رسخت صورة دولة القانون والعدل بعد الفوضى، وأكدت رمزية التأسيس ونقلت قيم الولاء والتكاتف بين الأجيال.
غير أن الدولة الحديثة لا يكفيها أن تبقي هذه الروايات في نطاقها الاجتماعي التقليدي؛ بل تستطيع أن تُحوّلها إلى رأسمال رمزي مؤسسي، يُدار ويُوظف ضمن مشروع وطني. وهنا يبدأ الانتقال من الحفظ إلى الرؤية.
ففي أزمنة التحولات، تتعرض الهوية الوطنية لتحديات متجددة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. والرؤى الوطنية لا تبني اقتصاداً فقط بل تعيد تعريف المواطنة والانتماء، ومن ثم فإن التحدي ليس في صون الرواية الشفهية بل في تفعيلها، والانتقال من مجرد حفظ القصص إلى إعادة قراءتها وتأويلها وإدماجها في التعليم وتحويلها إلى محتوى رقمي تفاعلي، وربط الذاكرات المحلية بسردية وطنية جامعة. بذلك تصبح الذاكرة طاقةً مُحركةً للهوية لا مجرد حنين إلى الماضي.
تحرير المصطلحات
قبل الإكمال، لا بد من تحرير ثلاثة مصطلحات تتعلق بالتاريخية «الشفهية» أو «الشفوية»، وكلاهما صحيحٌ لغةً، لكننا سنقتصر على استخدام «الشفهي» في هذا البحث:
1-التراث الشفهي: وهو ما ينقل شفهياً بالكلام أو الرواية أو الأداء من جيل إلى جيل ويشمل: القصص، والأمثال، والشعر، والحكايات، والأغاني، والأهازيج، والأساطير.
2-الرواية الشفهية: تعد مصدراً من مصادر التاريخ، وهي التي تروى عن طريق المشافهة والنقل من شهود العيان والمعاصرين إلى من بعدهم.
3- التاريخ الشفهي: مصطلح حديث ويعد علماً، وفرعاً من فروع التأريخ، وتعريفه: طريقة علمية تقوم بها جهات متخصصة لتوثيق الروايات الشفهية لأشخاص عاصروا حوادث تاريخية وفق معايير علمية وعبر مقابلات مسجلة ومصورة، مع إخضاعها للمراجعة والتدقيق والتمحيص.
لذا نرى أن التراث الشفهي يشمل كل أشكال التعبير الشفهي، كما لا يمكن عد كل رواية تاريخية تاريخاً شفهياً.
وكثيراً ما يخلط الباحثون والمؤرخون بين مصطلحات «التراث الشفهي»، و«الرواية الشفهية»، و«التاريخ الشفهي»، مما يوقع المتلقين في اللبس.
الرواية الشفهية والتدوين
لعلنا نبدأ بالرواية الشفهية التي تعد أساس التدوين التاريخي، ومع تطور علم التاريخ غدت مكملة للوثيقة التاريخية، وهي دائماً ما توضح بعض الجوانب المرتبطة بتاريخ معين وتضيف إليها. وتفسر بعض الحوادث، وتجلي الغموض عن بعضها، كما تعكس سلوك المجتمع وقيمه وسماته، وتشمل الذكريات الشخصية والروايات والقصص المجتمعية التي تتناول جوانب من الحياة اليومية ونمط العيش وأساليب الحياة، وتمتد إلى توصيف العلاقات الاجتماعية والمهن والحرف، والأنماط والممارسات في شتى المناحي كالزراعة والتجارة والرعي والتعليم، وغيرها.
بينما تركز التواريخ الرسمية والمدونات المكتوبة على التاريخ السياسي والعسكري، نجد أن الرواية الشفهية تَبرزُ كتاريخ منطوق وتركز على العادات والتقاليد والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتبحر في تفاصيل الأطعمة والأشربة والأزياء والعلاجات، والفنون والألعاب، وأحاديث السمر وروايات السفر وحكايات الحب والحياة؛ بل وحتى قصص المعاناة والأمراض والموت، وتعبر عن الأحاسيس والعواطف، وتترجم المشاعر والأفكار، التي قد نجد شيئاً منها في بعض السجلات، والمذكرات الشخصية والوثائق العائلية والأوراق الخاصة.
وحتى لا يُظن أن العناية بالتراث الشفهي عموماً، والرواية الشفهية خصوصاً، وتدوينها عند العرب، أمر طارئ أو حديث؛ لا بد من التأكيد أنهم سبقوا غيرهم من الأمم في وضع أسس لجمع التراث الشفهي ومنهجية لتدوينه عبر جمع السنة النبوية وتدوينها في مصنفات وفق أسس وضوابط محددة، يقول الدكتور عبد الله العسكر: «ويرجع الفضل إلى العلماء المسلمين الذين قننوا قواعد علمية للاستفادة من الروايات الشفهية. أصبحت تلك القواعد فيما بعد علوماً مستقلة مثل: علم الإسناد، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، وغير ذلك كثير».
التراث الشفهي
أما ما يتعلق بالتراث الشفهي الأدبي من شعر وأخبار وغيرها، فيقول الدكتور عمر السيف: «حين بدأ استشعار خطر اندراس التراث الشعري الشفهي، جُمع التراث الشفهي، وتأسست أنظمة للفرز والتوثيق، ومن ثم الدراسة والتحليل. والرواة حينما أرادوا جمع المادة اللغوية وضعوا ضوابط ومحدِّدات أساسية رغبة في تحقيق الغاية المنهجية لجمع المادة وضعوا محددات صارمة للأخذ، فالغاية التي يريدون تحقيقها جمع اللغة الصافية من العرب الخُلص الذين لم يختلطوا بالأعاجم، كما حددوا ضوابط زمنية بتحديد عصر للاحتجاج، على اعتبار أن السليقة اللغوية تغيرت بعد اختلاط العرب بغيرهم مع اتساع الدولة الإسلامية. وبعد جمع المادة بدأت حركة تأليف غزيرة في اللغة والأدب والتاريخ والحديث لنقل الشفهي إلى الكتابة، وصدرت الكثير من المدونات التي كانت حصيلة مهمة، أعقبتها مراحل لا تزال باقية لدراسة تلك النصوص المجموعة وتحليلها واستنباط الدلالات المخبوءة ولذا، لا يمكن أن نزعم أن جمع التراث الشفهي وتدوينه أمور جديدة على العرب، بيد أن تحول ذلك التراث من الشفهي إلى الكتابي وهبه الاحترام والتقدير الذي يفتقر إليه التراث الشفهي الحالي».
ولو توقفنا عند الحالة السعودية تحديداً نجد أن كثيراً من التراث الشفهي لم يدون مما يجعله منجماً تاريخياً لم ينقب في مواده، وحقلاً معرفياً لم يستخرج إلا القليل من كنوزه.
منهج المؤرخين السعوديين
حيث إن التاريخ السعودي هو الامتداد للتاريخ العربي الإسلامي بمكوناته المتعددة وقنواته الكثيرة وتراثه الضخم، وتنوع عناصره ومحتوياته وأبعاده، سنتناول الرواية الشفهية، التي اعتمد المؤرخون السعوديون عليها منذ نشأة الدولة السعودية قبل ثلاثة قرون وتلقوها بطرق متعددة، وأفادوا منها في تدوينهم للتاريخ السعودي وفق مناهج متباينة لكل مؤرخ. يقول الدكتور عبد اللطيف الحميد في بحثه الذي استقصى فيه منهج 18 مؤرخاً منذ تأسيس الدولة السعودية وحتى عهد الملك عبد العزيز، وتتبع منهج أولئك المؤرخين في توثيق الرواية الشفهية، أنه يمكن تصنيفهم إلى ثلاث مدارس؛ الأولى: ابن بشر، محمد العبيّد، عبد الرحمن بن ناصر، الزركلي، محمد العقيلي: «مؤرخون أفادوا من الرواية الشفهية وطبقوا منهجاً علمياً دقيقاً في توثيقها، تجلى في تلقي صفة الوقائع من شهود العيان أو ممن نقل عنهم وتحري الصدق والحق من أفواه الثقات من الرواة، وذكر اسم الراوي والمكان وصفة الخبر ومكانه».
المدرسة الثانية وهم الأكثر : ابن غنام، البسام، ابن عيسى، الريحاني، مقبل الذكير، خالد الفرج، حافظ وهبة، سعود بن هذلول، أحمد عطار، محمد آل عبدالقادر: «مؤرخون لم يطبقوا منهجاً في توثيق الرواية الشفهية، واكتفوا بالتنويه عنها بوصفها مصدراً من المصادر في مقدمات مؤلفاتهم». أما المدرسة الثالثة، وهم الأقل: ابن عباد، الفاخري، ابن ضويان: «مؤرخون لم يذكروا مصادرهم الشفهية أو منهجهم في توثيقها».
أوعية التراث الشفهي
حين ننظر إلى مرحلة تأسيس الدولة السعودية، نجد في الذاكرة الجمعية للمجتمعات المحلية عديداً من القصص المتناقلة عن الفوضى وغياب العدل قبل تأسيس الدولة والتحول الذي حصل بعد التأسيس، يماثل ذلك قصص متداولة عن الأمر ذاته قبل عهد الملك عبد العزيز واستتبابه بعد ذلك. كما نجد توصيفاً لجوانب من معيشة الناس وحياتهم اليومية. إضافة إلى الروايات التي تتناقلها الأسر والقبائل عن تاريخهم وأدوار بعض رموزهم وشخصياتهم.
أما عن «المجالس»، فيمكن وصفها بمنصات التاريخ، تتداول فيها الأخبار، وتروى القصص، وتلقى الأشعار، ولها ضوابطها وأعرافها وتقاليدها التي لا يمكن تجاوزها.
الجانب الآخر الذي لم يحظ بكثير من الاهتمام هو دور المرأة ليس فقط حافظةً للرواية الشفهية؛ بل وراوية للقصص المتعلقة بالتفاصيل الدقيقة للحياة الاجتماعية للأسر وعلاقاتهم وحكاياتهم التاريخية، ترويها «الجدات» عبر الأجيال وهذا مستمر حتى اليوم.
أما الأشعار والحكم والأمثال فتعد من خزائن التاريخ التي حفظت لنا تاريخ حوادث ووقائع واختزلتها في قصيدة أو بيت من الشعر أو حكمة أو مثل.
هذه كلها مع غيرها يمكن عدها من أوعية التراث الشفهي، التي حفظت لنا تاريخاً لم يرد له ذكر في المدونات الرسمية.
تاريخ عزوة آل سعود (أخو نورة)
ولعلي أدلل بمثال واحد فقط، يتعلق بعزوة آل سعود (أخو نورة)، إذ يظن كثيرون أنها خاصة بالملك عبد العزيز، وأن نورة المقصودة هي شقيقته الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، والحقيقة أنها عزوة قديمة لآل سعود وردت في القصيدة الطويلة (39 بيتاً)، التي أرسلها الأمير عمر بن سعود بن عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود لأخيه الإمام مشاري (تُوفي 1820)، ويقول فيها:
(عند أخو نوره عشير الغانمين
مثل عد ما يغور من الشراب)
كما جاءت في قصيدة ناصر الهزاني وعدد أبياتها تسعة عشر، التي يمدح فيها الإمام عبد الله بن فيصل (توفي 1889)، بقوله:
(وإن قيل من هو قلت غش السلاطين
عباد مرجام الحريب أخو نوره)
إذ لولا مثل هذه الشواهد الشعرية لصعب إيجاد الدليل العلمي على قِدم هذه العزوة.
إشكالية الموثوقية والانحياز والذاكرة الانتقائية
الرواية الشفهية لا تنقل الحدث كما وقع حرفياً، بل تعيد صياغته وفق الزمن ووعي الراوي وهوية الجماعة. لذلك لا تُؤخذ بوصفها حقيقة جاهزة، بل يفترض أن تُقرأ بعين نقدية عبر ثلاث نقاط.
الموثوقية: الذاكرة تتغير مع الوقت وتتأثر بتكرار الحكاية والسياق الذي تُروى فيه. الحل ليس استبعادها، بل اختبارها بمقارنتها بروايات أخرى، ومراجعتها على الوثائق إن وجدت، وفهم زمن وظروف ظهورها.
الانحياز: الراوي يتكلم من موقع اجتماعي/فئوي/سياسي، وقد يُجمّل دور جماعته أو يبرّر أو يضخّم الرمزية. لذلك تُقرأ الرواية باعتبارها تكشف عن منظور الراوي بقدر ما تكشف عن الحدث.
الانتقائية: المجتمعات تحفظ ما يخدم سرديتها وقد تسكت عما يربكها، والصمت هنا قد يكون دلالة. لذا يلزم التنبه للفجوات وما لم يُذكر، وتفكيك رموز الرواية لا الاكتفاء بسردها. بهذه القراءة تتحول الرواية الشفهية من مجرد حكاية إلى مادة تحليل يمكن الاستفادة منها علمياً.
وحول ذلك يقول الدكتور عبد الله العسكر: «من هنا تتضح أهمية أن يقوم المؤرخ بفحص الروايات الشفهية وتقويمها ومعرفة الدوافع من ورائها وكذلك طريقة تناقلها، ولعل هذا العمل يقود إلى فحص آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو فحص الحبكة الأسلوبية والهدف والخلفية للراوي، كما على المؤرخ أن يفحص كذلك البناء الداخلي والخارجي للرواية الشفهية من خلال المنهج المعروف لدى المؤرخين، فإذا تم كل ذلك بنجاح يمكن عندئذ تدوين الرواية الشفهية، ومن ثم تصبح وثيقة تاريخية مثلها مثل الوثائق المعروفة».
جهود توثيق التراث والروايات الشفهية
مع كل ذلك يمكننا القول إنه منذ تأسيس الدولة السعودية كانت هناك جهود لتوثيق الرواية الشفهية تحديداً، كجهود بعض المؤرخين التي وردت معنا، وهناك جهود فردية ومؤسسية أسهمت في توثيق التراث الشفهي عموماً والرواية الشفهية، أبرزها دور وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون من خلال المقابلات التي أجريت مع العديد من أصحاب الشأن في كثير من المجالات. ويأتي كذلك دور الرئاسة العامة لرعاية الشباب من خلال إشرافها على قطاع الثقافة والفنون آنذاك، إذ وثقت خلال ثمانينات القرن المنصرم جوانب من التراث الشفهي.
أما الجهود الفردية التي قام بها كتاب وباحثون ومؤرخون وغيرهم فيصعب حصرها، لكننا سنتوقف عند الدور البارز للدكتور سعد الصويان في هذا المجال، الذي وثق بين عامي 1983 و1990 مئات الساعات المسجلة من الروايات الشفهية عن حياة البادية شملت التاريخ والأشعار والأنساب والقصص والوسوم والديار والموارد وغيرها، وأنتج منها مشروع جمع الشعر النبطي من مصادره الشفهية.
وكذلك دور الأديب والمثقف السعودي عبد المقصود خوجة من خلال صالونه الأدبي (الإثنينية 1982 - 2015) التي أعُدها إضافة لدورها الأدبي، منصة تاريخية من خلال تكريمها لأكثر من خمسمائة شخصية من العلماء والمفكرين والأدباء والمثقفين، وتوثيق سيرهم وتجاربهم من خلال روايات المكرمين أنفسهم أو عن طريق مداخلات وتعليقات الضيوف الدائمين أمثال الأساتذة محمد حسين زيدان وعزيز ضياء وعبد الله بلخير وهاشم زواوي ومحمد عبده يماني وعبد الله مناع وغيرهم، والتي وردت فيها معلومات تاريخية نادرة. ومثلت إثنينية عبد المقصود خوجة ذاكرة تاريخية وثقافية، لكن الأهم في تقديري أن خوجة اضطلع بدور مهم في تدوين الرواية الشفهية حينما فرّغ تلك الروايات بكل ما حوته من معلومات ومداخلات ودونها في إصدارات أحسبها تجاوزت الثلاثين مجلداً، علاوة على أنه جمع مداخلات وتعليقات كل من الأستاذ محمد حسين زيدان والدكتور محمد عبده يماني في إصدارين مستقلين. وبهذا الجهد الكبير قدم خوجة ألوف الصفحات من الشهادات والروايات الشفهية إلى ذاكرتنا الوطنية.
التاريخ الشفهي
التاريخ الشفهي، مصطلح حديث كما أسلفنا له منهجه وقواعده وأصوله، ويركز على التاريخ المعاصر. وفي هذا المجال تبرز جهود المؤسسات مثل:
- مركز أبحاث الحج: إبان تبعيته لجامعة الملك عبد العزيز قام بتسجيل مقابلات، خلال السبعينات الميلادية من القرن المنصرم، مع أرباب المهن والطوائف الذين يقدمون الخدمات للحجاج والمعتمرين، وهم: المطوفون والأدلاء والزمازمة والوكلاء، وحوت تلك التسجيلات معلومات مهمة عن تاريخ تلك المهن والخدمات التي كانت تقدم للحجاج وغيرها من المعلومات التاريخية المتعلقة بالحج والحجيج.
- الحرس الوطني: إبان إشرافه على المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، قام بتسجيل عشرات المقابلات خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم مع مجموعة من رجالات الملك عبد العزيز الذين صحبوه وعملوا معه أو مع أبنائهم، وثقت تلك المقابلات جوانب من حياة الملك المؤسس، ومراحل تأسيس وبناء الدولة. فُرغّت تلك المقابلات ونشر بعضها في عدد من الإصدارات. وآلت تلك التسجيلات مؤخراً إلى دارة الملك عبد العزيز.
- مكتبة الملك فهد الوطنية: قامت المكتبة بتدشين مشروعها للتوثيق الشفهي في عام 1994، وسجلت أكثر من 350 مقابلة مع عدد من المثقفين والأدباء ووجوه المجتمع في مختلف مناطق المملكة، لكنها لم تنشر أياً من تلك المقابلات.
- المئوية: أثناء الاستعداد لاحتفالات المملكة العربية السعودية بالمئوية عام 1999، قامت عدد من الجهات الحكومية، منها وزارة التعليم ووزارة المواصلات، إذ قامت كل وزارة بالتسجيل مع عدد من منسوبيها وأصحاب العلاقة لتوثيق مسيرة التعليم ومسيرة المواصلات والاتصالات في المملكة العربية السعودية، واستفادت كلتا الوزارتين من المعلومات التي سجلتها في إصداراتها بمناسبة المئوية. وقد تكون وزارات أخرى قامت بأعمال مشابهة.
- مؤسسة الملك خالد الخيرية: سعت المؤسسة إلى توثيق جوانب سيرة الملك خالد من خلال توثيق شهادات حوالي مائة شخصية من الأمراء والوزراء ورؤساء الدول والحكومات وغيرهم من المسؤولين السعوديين، ومستشاري وأطباء الملك وموظفي القصر ومرافقي وسائقي الملك، وغيرهم. ونشرت نصوص تلك المقابلات في قاعدة معلومات الملك خالد بن عبد العزيز.
- دارة الملك عبد العزيز: بتوجيه من الملك سلمان إبان رئاسته لمجلس إدارتها، أنشأت الدارة أول مركز متخصص في التاريخ الشفهي عام 1995، وإن كان للدارة جهود سابقة في هذا المجال. كما استفادت من تجربة جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس الرائدة في مجال توثيق التاريخ الشفهي، ووضعت منهجية علمية ومعايير وقواعد وآليات دقيقة لعمل المركز وسجلت حوالي 8000 مقابلة غطت جوانب متعددة من سير الملوك والأمراء، ورجالات الدولة ومسؤوليها، ونشأة وتطور مؤسساتها، كما شملت جوانب متعددة من التاريخ السعودي. كل ذلك أسهم في ترسيخ الرواية الشفهية بوصفها مصدراً أصيلاً ومكمّلاً للوثائق المكتوبة، ورافداً مهماً لفهم التحولات السياسية والاجتماعية في تاريخ المملكة العربية السعودية.
الأرشيف الوطني الرقمي
إذا كانت الذاكرة الشفهية قد حفظت وقائع التأسيس ونقلت قيمه، كما حفظت جوانب متعددة من التاريخ السعودي عبر قرون، فإن التحدي اليوم لم يعد في جمع الروايات فقط؛ بل في إدارتها بوعي مؤسسي يعزز توثيق الذاكرة الوطنية بوصفها ركيزةً من ركائز السردية التاريخية للدولة السعودية، وينقلها من أرشيف محفوظ في أكثر من جهة إلى أرشيف وطني رقمي يُدار وفق معايير وطنية موحدة للتسجيل والتصنيف، وربطه ببيانات وصفية دقيقة وإتاحته رقمياً بضوابط تحمي الخصوصية والحقوق، مع توظيف أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي لاستخراج الأنماط والدلالات.
ومما يحفز على مثل هذه الخطوة تدشين مشروع «رجالات الملك عبد العزيز»، بالتعاون بين دارة الملك عبد العزيز ووزارة الحرس الوطني، وذلك ضمن فعاليات النسخة الأولى من «ملتقى التاريخ الشفوي» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2025.
كما يمكن حوكمة الأرشيف الشفهي؛ ما يعني تحويل الذاكرة من تراكم معلومات إلى منظومة معرفة تخدم الهوية الوطنية، وتدعم البحث العلمي، وتبني سردية متوازنة تعكس التعدد. وبذلك لا تبقى الذاكرة مجرد حفظ للماضي بل تصبح ركيزة استراتيجية لإدارة المعرفة الوطنية في العصر الرقمي، وأرى أن دارة الملك عبد العزيز هي الأقرب والأقدر على تبني مثل هذه المبادرة امتداداً لدورها مؤسسةً مرجعيةً للإرث السعودي ونافذةً للتاريخ الوطني وحافظةً لذاكرة الأمة وخزانةً للوثائق التاريخية للمملكة العربية السعودية.

