حين تغير الضرائب قواعد اللعبة... الركيزة الثانية كنقطة تحوّل في النظام الضريبي الدولي - بوابة نيوز مصر

حين تغير الضرائب قواعد اللعبة... الركيزة الثانية كنقطة تحوّل في النظام الضريبي الدولي - بوابة نيوز مصر
حين تغير الضرائب قواعد اللعبة... الركيزة الثانية كنقطة تحوّل في النظام الضريبي الدولي - بوابة نيوز مصر

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم حين تغير الضرائب قواعد اللعبة... الركيزة الثانية كنقطة تحوّل في النظام الضريبي الدولي - بوابة نيوز مصر

في أواخر عام 2012، انفجرت في المملكة المتحدة واحدة من أبرز قضايا التجنب الضريبي في العصر الحديث، فقد كشفت تقارير رسمية أن شركة ستاربكس، رغم تحقيقها مبيعات تجاوزت 3 مليارات جنيه إسترليني خلال أكثر من عقد، لم تدفع سوى نحو 8.6 ملايين جنيه ضريبة شركات. 
هذه الأرقام أثارت غضباً شعبياً واسعاً، ترجم إلى احتجاجات داخل فروع الشركة نفسها، وتساؤلات مباشرة حول عدالة النظام الضريبي وقدرته على إلزام الشركات الكبرى بالمساهمة العادلة في تمويل الخدمات العامة.
لم تكن المشكلة في إخفاء النشاط الاقتصادي، بل في كيفية إعادة توزيع الأرباح قانونياً، فقد أظهرت التحقيقات أن "ستاربكس" أعادت توجيه أرباحها عبر شركات تابعة في دول ذات ضرائب منخفضة، من خلال تحميل الكيان البريطاني رسوماً مرتفعة لاستخدام العلامة التجارية، وقروضاً داخلية تخصم فوائدها من الأرباح، وشراء المواد الخام بأسعار مرتفعة من شركات شقيقة. وبهذه الهيكلة، بقي النشاط في بريطانيا، لكن الأرباح انتقلت محاسبياً إلى الخارج، فكانت النتيجة ضريبة شبه معدومة في بريطانيا.
هذه القضية سلطت الضوء على فجوة متنامية بين قانونية التخطيط الضريبي ومشروعيته الاجتماعية، فالمواطن العادي يدفع ضرائبه كاملة دون القدرة على "نقل" دخله، بينما تستطيع شركات عملاقة تقليص فواتيرها الضريبية رغم أرباحها الضخمة. ومن هنا، لم تعُد المسألة تقنية بحتة، بل قضية عدالة اجتماعية وثقة عامة.
ولم تكن "ستاربكس" حالة استثنائية منفردة، فقد خضعت شركات عالمية أخرى مثل "غوغل" و"أمازون" و"آبل" لتدقيق مشابه في أوروبا والولايات المتحدة، ما كشف عن خلل بنيوي في النظام الضريبي الدولي، الذي صمم لعالم اقتصادي مختلف، أقل عولمة وأقل رقمية. هذا الواقع دفع الدول إلى البحث عن حلول جماعية، بدل الاكتفاء بإصلاحات وطنية محدودة.

مشروع BEPS... بداية التنسيق الدولي 
في هذا السياق، أطلقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2013 مشروع BEPS (تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح) بالتعاون مع مجموعة العشرين، وهي تجمُّع يضم أكبر الاقتصادات المتقدمة والناشئة في العالم. فكرته بسيطة: لا يمكن مواجهة ظاهرة (دولية) عابرة للحدود بأدوات وطنية منفردة. الشركات المتعددة الجنسيات تعمل في عشرات الدول، وتستفيد من اختلاف القوانين بينها، ما يجعل أي دولة بمفردها عاجزة عن حماية قاعدتها الضريبية.
وتوجت هذه الجهود بتوافق دولي غير مسبوق، ففي 2021، وافقت أكثر من 135 دولة تمثّل معظم الاقتصاد العالمي على إصلاح شامل للنظام الضريبي الدولي قائم على ركيزتين؛ تهدف الأولى إلى إعادة توزيع حقوق فرض الضرائب على أرباح الشركات الكبرى، خاصةً الرقمية، وفقاً لمكان تحقق الإيرادات الفعلية، لا لموقع المقر القانوني.
أما الركيزة الثانية، محور هذا المقال، فترسي حداً أدنى عالمياً لضريبة الشركات الكبرى، بما يحد من المنافسة الضريبية الضارة ويضمن حداً أدنى من العدالة الضريبية.

حد أدنى عالمي للضريبة
تقوم الركيزة الثانية على مبدأ واضح: أرباح الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى يجب ألا تخضع لمعدل ضريبي فعلي يقل عن 15 بالمئة، أينما تحققت. فإذا دفعت ضريبة أقل في دولة معيّنة بسبب إعفاءات أو حوافز أو غياب ضريبة أصلاً، تفرض ضريبة تكميلية تسد الفجوة.
ولا يشمل هذا النظام جميع الشركات، بل يقتصر على المجموعات المتعددة الجنسيات التي تتجاوز إيراداتها السنوية المجمعة 750 مليون يورو. والهدف من ذلك هو استهداف الشركات العملاقة القادرة على إعادة هيكلة أرباحها عبر الحدود، دون إثقال كاهل الشركات الصغيرة والمتوسطة.

بين المكاسب المتوقعة والتحديات العملية
اقتصادياً، تتوقع التقديرات الدولية أن ترفع الركيزة الثانية إيرادات ضرائب الشركات عالمياً بمئات المليارات سنوياً. اجتماعياً، ينظر إليها كخطوة لإعادة قدر من العدالة للنظام الضريبي، وتقليص الفجوة بين ما يدفعه الأفراد وما تدفعه الشركات الكبرى. أما قانونياً، فهي تمثّل تحولاً من المنافسة الضريبية المنفلتة (race to the bottom) إلى حد أدنى من التنسيق الدولي. 
لكن هذا التحول لم يخلُ من انتقادات، فبعض المنظمات ترى أن نسبة 15 بالمئة متواضعة، وأن الدول المتقدمة مرشحة للاستفادة أكثر من هذا النظام، لكونها قد تحصد النصيب الأكبر من الإيرادات، بينما تواجه الدول النامية تحديات في التطبيق وبناء القدرات. كما يثير النظام عبئاً إدارياً وتنفيذياً كبيراً، سواء على الشركات أو الإدارات الضريبية، مما يجعل نجاحه مرهوناً بقدرة الدول على التطبيق المتوازن والفعال. 
لماذا التزمت دول منخفضة/ شبه معدومة الضرائب بالركيزة الثانية؟ 
قد يبدو، للوهلة الأولى، أن الدول التي اعتمدت تاريخياً معدلات ضريبية منخفضة، أو التي لم تفرض ضريبة دخل على الشركات الوطنية، لن تكون معنية بمبادرة فرض حد أدنى عالمي للضريبة. غير أن الواقع أثبت عكس ذلك؛ إذ كانت هذه الدول، ومن بينها عدد من دول الخليج العربي، في مقدمة المنضمين إلى الإطار الدولي الجديد، استناداً إلى عدة اعتبارات. 
ويأتي في مقدمة هذه الاعتبارات حماية الحق في الإيرادات الضريبية. فوفقاً لقواعد الركيزة الثانية، إذا حققت شركة متعددة الجنسيات أرباحاً في دولة ذات معدل ضريبة صفري أو منخفض جداً، ولم تعتمد تلك الدولة نظاماً ضريبياً متوافقاً مع الركيزة الثانية، فإن دولاً أخرى، ولا سيما دولة مقر الشركة الأم، تملك حق فرض الضريبة التكميلية وتحصيلها لمصلحتها. ويعني ذلك عملياً انتقال الإيرادات الضريبية إلى خزائن خارجية، رغم تحقُّق النشاط الاقتصادي داخل الدولة المضيفة. ومن هنا سارعت دول الخليج إلى تبني أنظمة الضريبة التكميلية المحلية بنسبة 15 بالمئة لضمان الاحتفاظ بهذا الحق داخل نطاقها السيادي. 
أما الاعتبار الثاني فيتصل بالسمعة الدولية والتعاون الضريبي، فدول الخليج، بصفتها أطرافاً فاعلة في الاقتصاد العالمي، تسعى إلى تجنُّب تصنيفها كملاذات (جنات) ضريبية غير متعاونة، ويعكس انضمامها لهذه المبادرة التزاماً بمعايير الشفافية والحوكمة الضريبية. 
فعلى سبيل المثال، بادرت البحرين، رغم عدم فرضها ضريبة دخل شركات تقليدية عامة على معظم الشركات (باستثناء شركات النفط والغاز)، إلى إصدار تشريع الضريبة التكميلية المحلية عام 2024، بالتوازي مع إقرار قطر والإمارات أنظمة مماثلة يبدأ تطبيقها في 2025. وتعد هذه الخطوات ركيزة أساسية لتعزيز الشفافية وجذب الاستثمار الأجنبي، حيث يطمئن المستثمر الدولي بأن البيئة الضريبية المحلية مستقرة ومتسقة مع التوجه العالمي.
ويُذكر أيضاً أن بعض دول الخليج بدأت أصلاً بتنويع مصادر دخلها الضريبي قبل الركيزة الثانية. على سبيل المثال، استحدثت الإمارات أخيراً ضريبة شركات بنسبة 9 بالمئة على الأرباح التي تتجاوز حد الإعفاء، وطبقت السعودية منذ سنوات ضريبة على أرباح الشركات الأجنبية بنسبة 20 بالمئة. ومع أن هذه النسب تختلف عن 15 بالمئة، فإن القواعد الجديدة ستتكفل بسد الفجوة على نطاق الشركات العالمية الكبرى عند الحاجة.

الكويت على خط الإصلاح الضريبي الدولي
في هذا السياق العالمي، لم تكن الكويت بمنأى عن التحرك، فعلى الرغم من أن الكويت تاريخياً لا تفرض ضرائب دخل على الأفراد، ولديها معدل ضريبة متواضع على أرباح الشركات، فإن الدولة استشعرت ضرورة الانخراط في "الركيزة الثانية" حمايةً لحقوقها السيادية في التحصيل الضريبي.
وبالفعل، أصدرت الكويت مرسوماً بقانون رقم 157 لسنة 2024 الخاص بضريبة مجموعة الكيانات المتعددة الجنسيات، الذي يهدف إلى ضمان ألا تقل الضرائب المدفوعة على أرباح الشركات الكبرى العاملة في الكويت عن 15 بالمئة. ويقتصر تطبيق القانون على الكيانات التابعة لمجموعات تتجاوز إيراداتها المجمعة 750 مليون يورو، بما يعني أن أثره يظل محصوراً في الشركات الكبرى فقط، دون مساس بالشركات الصغيرة والمتوسطة.
وترى الحكومة الكويتية أن هذه الخطوة محورية على طريق إصلاح الاقتصاد المحلي. فإضافةً للوفاء بالتزامات الكويت الدولية ضمن الإطار الشامل للضرائب، يساهم فرض حد أدنى للضريبة على الشركات العالمية في خلق بيئة استثمارية أكثر عدالة بين الشركات المحلية والأجنبية، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص في السوق. كما أن الإيرادات المتوقعة من هذا القانون ليست بالقليلة؛ إذ تقدّر وزارة المالية أن يجلب الضريبة التكميلية سنوياً نحو 250 مليون دينار لخزينة الدولة. هذه موارد إضافية يمكن أن تدعم الميزانية العامة وتخفف الضغط الناجم عن تقلب عوائد النفط، مما يساعد الكويت في تحقيق قدر أكبر من الاستدامة المالية وتقليل الاعتماد على مصدر وحيد للدخل.
القانون الضريبي الكويتي الجديد ليس سوى فصل من فصول قصة عالمية أكبر، عنوانها تنظيم دولي متصاعد لمكافحة التهرب الضريبي، تتكاتف فيه الدول لضمان خضوع الشركات العملاقة لنصيب عادل من الضرائب أينما تحققت أرباحها. وبينما تبدأ الركيزة الثانية ومشروع BEPS عموماً بإعادة رسم الخريطة الضريبية الدولية، يترقب الجميع آثارها الواقعية في قادم السنوات. المؤكد حتى الآن أن عجلة التعاون الدولي في المجال الضريبي بدأت بالدوران بسرعة غير معهودة. ولأول مرة يشعر المواطن العادي أن هناك جهوداً جادة لسد الثغرات التي لطالما تسللت منها أرباح الشركات. قد لا يكون هذا المسار سهلاً أو سريعاً، لكنه بلا شك خطوة تاريخية نحو قدر أكبر من العدالة الضريبية على المستوى العالمي.

* د. جمانة علي الصيرفي
عضوة هيئة تدريس في كلية الحقوق بجامعة الكويت، متخصصة في قوانين المالية العامة والتشريعات الضريبية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ريال مدريد يحرم لاعبه من الانتقال إلى الدوري الإنجليزي - بوابة نيوز مصر
التالى وزير الإسكان يلتقى مسئولى شركة HDP ضمن سلسلة اجتماعات متابعة موقف مبيعات وتسويق المشروعات بالمدن الجديدة - بوابة نيوز مصر