عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم مصر: إحالة هاني مهنا للتحقيق بداعي «الإساءة» لشادية وفاتن حمامة - بوابة نيوز مصر
«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة
تواصل الفنانة المصرية نعمة السنهوري مشروعها الفني الذي يركز على إعادة قراءة التراث المصري والشرقي عموماً، حيث تحوَّل النسيج على مسطح اللوحات من مجرد خامة تقليدية إلى وسيط تشكيلي معاصر يفتح أبواب التأمل والحوار مع الزمن.
في معرضها الجديد «إرث»، يستضيفه غاليري «سفر خان» بالزمالك، تعرض نعمة السنهوري 25 لوحة تمثل امتداداً لتجربتها في المزج بين التراث والحس المعاصر، حيث يصبح القماش لغة بصرية قائمة بذاتها، قادرة على سرد الحكايات وإيصال المشاعر مباشرة إلى المتلقي من دون الاعتماد على الفرشاة أو الألوان التقليدية.
يعتمد المعرض، المستمر حتى 11 فبراير (شباط) الحالي، على تقنية الأقمشة المطعمة (الأبليكيه)، حيث تُبنى التكوينات الفنية عبر تجميع المنسوجات ومعالجتها بلغة تشكيلية لتصبح أشبه بـ«الرسم بالقماش».
هنا تتجلى مفارقة جمالية تجمع بين حداثة الرؤية والحنين العميق إلى الماضي، في تجربة تجعل النسيج لا يكتفي بدوره التقليدي، بل يتحول إلى وسيط إبداعي حي يعزز أهمية استدعاء الإرث الثقافي والاجتماعي على السواء.
تقول نعمة السنهوري لـ«الشرق الأوسط»: «أتعامل مع القماش كما لو كان لوناً حياً، له وزنه وملمسه وذاكرته. لا أرسم عليه، بل أرسم به، وأترك للخامة أن تقودني إلى فضاء الصورة، فكل قطعة تنبض بالحياة من خلال لمسة الخامة نفسها، كأن القماش يحتضن الفكرة ويشكلها معي في الوقت نفسه».
وتضيف أن اللوحات بالنسبة لها أكثر من مجرد جمال بصري؛ فهي انعكاس لقيم ومعانٍ إنسانية أصيلة جاءت بها من تراثها. وتؤكد أن «التراث الشرقي أو العربي خصوصاً قادر على الاستمرار، وفتح مساحات للتأمل والحوار والمناقشة. ومن هنا، حين أقدمه في أعمالي، أراه من خلال هذه الرؤية، وليس مجرد زخرفة أو قطع فنية لتزيين المنازل».
ومن هذا المنطلق، يستشعر المتلقي كيف تتحول الأعمال الفنية إلى فعل واعٍ يثير التساؤل حول مسؤولية الأجيال الجديدة في حمل الموروث الثقافي إلى المستقبل.
وتتابع: «الفن قادر على أن يكون جسراً بين الأزمنة، وما يشغلني هو هذا التوازن بين سحر العالم القديم والحس المعاصر. وأنا أؤمن بأن ماضينا يجب أن يكرم ويصان إذا أردنا مستقبلاً مزدهراً، والفن أكثر الوسائط قدرة على تحقيق هذا الربط».
لا يقتصر المعرض على البعد الجمالي فقط؛ فكل لوحة تتجاوز ذلك إلى رموز ثقافية عميقة، إذ تنسج نعمة السنهوري عناصر من الحضارات المصرية المختلفة في نسيج واحد تتقاطع فيه الأزمنة، ويتجاور من خلاله الحضور القوي للذاكرة مع الحاضر.
عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كما لو كانت أرشيفاً حياً، تتحول عبرها الأقواس والمداخل والأبواب والشبكات الزخرفية والفسيفساء إلى وثائق سردية تحكي التاريخ، بينما تتحول الحركة حول هذه العناصر إلى طقس يومي.
وفي حين تتنقل العين بين الطبقات المختلفة، تمتزج أنماط النسيج التقليدية مع مشاهد الحياة الحضرية الحديثة لتشكل في النهاية سرداً متداخلاً يأسر المتلقي ويغذي فكره ووجدانه.
تحمل الأعمال أيضاً دفئاً إنسانياً؛ إذ يشعر المتأمل بأن القماش نابض بالحياة، وكأنه يحتضنه، وينبع هذا الإحساس من تنوع الرموز وحميمية الحكايات والطقوس المتوارثة التي تسعى نعمة السنهوري إلى صونها وحمايتها من النسيان.
وتؤمن الفنانة بأن «الثقافة لا تصان فقط عبر الصروح الكبرى، بل من خلال الأفعال اليومية، مثل ترميم الأشياء وحفظها وإعادة استخدامها بمواد أكثر دفئاً». وتضيف: «تستطيع المنسوجات التي أقدمها أن تعكس الهوية والانتماء، وتفتح المجال لتبادل الأفكار بين الثقافات والمجتمعات».
اختارت نعمة السنهوري أن تنأى بفنها عن قيود التجارب السابقة في عالم النسيج، مبتعدة عن التقليد الأعمى للرموز الشعبية أو الانغماس في الطابع الأوروبي، رغم معرفتها بالثقافة والفنون الغربية جيداً: «أهم ما يُميز عملي أنني لا أكرر ما فعله الآخرون، لا في الألوان ولا في الموضوعات. ومع تقديري للفلكلور الشعبي، أرى أن النسيج يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إنه لغة للتجديد والتأمل في التراث. ورغم دراستي في فرنسا واطلاعي على الفنون الأوروبية، لم أسمح لنفسي بأن أستنسخ الغرب، فعملي محاولة لإعادة تشكيل تراثنا بلغة معاصرة تجعل المشاهد يرى الماضي والحاضر في اللحظة نفسها، وهو شيء غير مستحيل كما يعتقد البعض».
وهكذا تعيد السنهوري، من خلال 25 لوحة يتضمنها المعرض، تعريف مفهوم «الإرث»، محوِّلة إياه إلى تجربة حية تتنفس، وتثري مكونات الذاكرة، وتجعلها أشبه بالفسيفساء الفنية.
الأكثر من ذلك أن كل قطعة داخل هذه الفسيفساء تُرمم بمحبة وعناية ودقة، لتمنح حياة جديدة داخل فضاء جديد، انطلاقاً من أن «الفن ليس مجرد صورة جميلة، بل فعل يصون الذاكرة ويحفظها».

