عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم فنزويلا تتأرجح بين امرأتين تتنافسان على الزعامة... وكسب رضا واشنطن - بوابة نيوز مصر
بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز العفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين في البلاد، كانت زعيمة المعارضة ماريَّا كورينا ماتشادو تعلن -من كولومبيا المجاورة- أن الشعب الفنزويلي «بدأ يتنفس نسيم الحرية التي كان محروماً منها طيلة عقود».
قرار العفو هذا الذي جاء مفاجئاً للجميع، في الداخل والخارج، يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين ما تبقَّى من نظام مادورو وخصومه السياسيين بعد 13 عاماً من القمع والتهميش، ويؤرخ لبداية تفكك التيَّار السياسي الذي أسسه هوغو تشافيز مطالع هذا القرن، وتحوَّل إلى الحصن الرئيسي للحركات والأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية. وقد كان ذلك أول مطلب للمعارضة السياسية بعد فوزها في انتخابات عام 2015، ورفضه النظام يومها إلى جانب كل الاقتراحات الأخرى التي تقدمت بها المعارضة، ودخلت فنزويلا في دوَّامة من القمع السياسي الممنهج، وتدهور الأوضاع الاجتماعية الذي دفع ثلث سكان البلاد تقريباً إلى الهجرة.
ويوم الثلاثاء المقبل، يكون قد انقضى شهر على العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بالقبض على مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة للمحاكمة، بينما لا يزال المشهد السياسي الفنزويلي متسربلاً بالضباب والغموض، ومتأرجحاً بين رئيسة مؤقتة مشهود لها بالحنكة السياسية والخبرة الطويلة في إدارة الأزمات، وزعيمة للمعارضة معروفة بقدرتها على المناورة وبراعتها في تحيُّن الفرص: ديلسي رودريغيز، من الأركان الأساسية لنظام مادورو، وقد اختارتها واشنطن لإدارة المرحلة، وتنفيذ خطة لم يكشف النقاب عنها بعد، وماريَّا كورينا ماتشادو المتوَّجة بـ«نوبل للسلام» التي قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقصاءها لغاية في نفس يعقوب، فاختارت التريُّث وانتظار الظرف المناسب كي تلعب الدور الذي تستعد له منذ سنوات.
لكن هذه المنافسة بين رودريغيز وماتشادو لا تدور رحاها في فراغ، ولا على ملعب محايد؛ بل هي تخضع لمشيئة الرئيس الأميركي ومصالحه، فهو الذي يحدِّد الآجال ويملي الشروط ويفرض القرارات، دائماً وفقاً لأولوياته.
الرئيسة المؤقتة وزعيمة المعارضة، يحمل كل منهما مشروعاً سياسياً يناقض الآخر، ولكن الاثنتين تتحركان تحت ضغوط وقيود خارجية قوية. وفي هذا الإطار، لم يعد الصراع بينهما مقصوراً فحسب على السلطة؛ بل يهدف أيضاً إلى «استمالة القيصر وإرضائه»، لتوسيع هامش المناورة في مرحلة انتقالية تدير دفَّتها واشنطن.
تمثِّل رودريغيز المرحلة الثالثة من «الحركة التشافية»، ولكن من غير هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو. وهي تعرف أن المهمة الملقاة اليوم على عاتقها، هي فتح مسار ثالث يحوِّل نظاماً استبدادياً فاشلاً وفاسداً، إلى نظام مقبول في الداخل والخارج، وقادر على معالجة بعض المشكلات الأساسية التي يعاني منها الشعب الفنزويلي، مثل الصحة والتعليم، ويحقق أولى طموحات تشافيز بإعادة توزيع المدخول النفطي على غالبية السكان. وهذا ما يتبدَّى من الحملة الواسعة التي أطلقتها رودريغيز على منصات التواصل الاجتماعي للتعريف ببرنامجها.
ورغم أن الرئيسة المؤقتة تحظى ببركة ترمب الذي اختارها لملء الفراغ بعد إلقاء القبض على مادورو، ومنع الفوضى والانفلات، تواجه رودريغيز تحديات صعبة، ليس أقلها التوفيق بين إرساء الاستقرار الأمني والاجتماعي بعد الضربة القاصمة التي أصابت النظام، وإطالة عمر التيار التشافي والحيلولة دون تفككه، على الأقل داخل الحكومة والمؤسسات العليا.
ويُستفاد من استطلاع أجري مؤخراً، أن شعبية رودريغيز، في انتخابات رئاسية مفترضة، لا تتجاوز 13 في المائة، بينما تصل شعبية ماتشادو إلى 43 في المائة. يضاف إلى ذلك أن إدارة ترمب سلَّطت سيفاً جديداً فوق رقبة رودريغيز، عندما أعلنت وزارة العدل الأميركية مؤخراً، أن اسمها موجود على قائمة تحقيقات جارية تربطها بجرائم غسل الأموال وتهريب المخدرات والذهب.
ماريَّا كورينا ماتشادو، من جهتها تتحصَّن بكونها المرشحة الرئاسية التي اختارتها المعارضة لمنافسة مادورو في الانتخابات الأخيرة، رغم أن النظام نزع عنها لاحقاً أهلية الترشُّح، وهي تجسِّد بلا شك المطامح الديمقراطية لغالبية الفنزويليين، فضلاً عن نيلها العام الماضي جائزة «نوبل للسلام» تقديراً لجهودها في الدفاع عن الديمقراطية والحريات.
عرضت ماتشادو في برنامجها السياسي إعادة فتح السوق الفنزويلية على العالم، لاجتذاب الاستثمارات الخارجية في قطاعات النفط والطاقة والتكنولوجيا والسياحة، كما وعدت بإحياء «فنزويلا الكبرى» التي كانت في سبعينيات القرن الماضي، قطباً إقليمياً وعالمياً يجذب الكفاءات. ويمكن القول إن ماتشادو نجحت في رأب الصدع الذي ظهر في علاقاتها مع الإدارة الأميركية، بعد القبض على مادورو وإقصائها عن إدارة المرحلة، عندما استقبلها ترمب في البيت الأبيض وقدَّمت له ميدالية نوبل.
ومن الواضح، أن الخصومة بين المرأتين هي أقرب إلى العداء من أي شيء آخر، ولكن الواحدة منهما تدرك جيداً أنها أمام خصم لا يستهان به. رودريغيز تدرَّجت طوال عشرين عاماً في أهم مواقع النظام، وماتشادو تحمل شرعية سياسية ورمزية تصعب مجاراتها، ولكنها لا تملك هامشاً للمناورة يوازي الدعم الشعبي الذي تتمتع به.
النيران المتبادلة في تصريحات رودريغيز وماتشادو كانت على قدر من الكثافة ينذر بمراحل جديدة من التصعيد بين الطرفين. ولكن إذا بقي الصراع مقصوراً على حسم هوية من سيحكم البلد الذي يديره البيت الأبيض، تكون السلطة قد انتقلت من يد إلى أخرى، من غير أن تعود إلى أصحابها الشرعيين، أي إلى الفنزويليين.

