عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم غزوة بدر كانت منعطفا استراتيجيا وإنسانيا غير موازين القوى في الجزيرة العربية - بوابة نيوز مصر
في قلب الصحراء بين مكة والمدينة، نطق التاريخ باسم بدر، فكان شاهدًا على تحوّل مصيري في مسار الدعوة الإسلامية؛ حيث انتقل المسلمون من المستضعفين إلى صانعي العزة والنصر.
بدر الأولى.. نُذر القوة في وجه قريش
بدر ماء مشهور بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، بينه وبين الجار - ميناء على ساحل البحر الأحمر الشرقي حاليًا - ليلة ، وبدر حاليًا قرية تشبه المدينة، وهي عامرة، وتقع إلى الجنوب الغربي من المدينة المنورة بنحو ١٥٥كم، وشمال مكة المكرمة بنحو ٣١٠كم.
ارتبط باسم بدر ثلاث غزوات من غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم-: بدر الأولي، وهي إحدى الغزوات التي قام بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل بدر القتال أو بدر الكبري، أو بدر الثانية، كل هذه أسماؤها؛ لإعلام قريش أن الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية أصبحت قوية بما فيه الكفاية، وتستطيع أن تدافع عن وجودها وحقوقها، وعلى قريش أن تعيد النظر في موقفها المعادي للرسول -صلى الله عليه وسلم– ودعوته؛ لأن قريشًا لم تكتف بأنها أخرجت المسلمين من قلة وطردتهم من ديارهم، وهذا في حد ذاته بمثابة إعلان حرب بل هو حتى أكبر من إعلان الحرب كما عبر عن ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [البقرة: ٢١٧] لم تكتف قريش بذلك، بل طاردت المسلمين في مهجرهم في المدينة المنورة، وبذلت جهودًا مستميتة مع مشركي يثرب ويهودها لإخراجهم من المدينة، وخلق المشكلات لهم فيها إن عجزوا عن طردهم.
لذلك كان لابد من تأديبها، واسترداد بعض أموال المسلمين التي استولت عليها وصادرتها في مكة، فقامت سياسة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على التلويح بالقوة في وجهها، وكانت غزواته وسراياه قبل بدر الكبري، وعددها ثمان، وكانت بدر الأولي إحداها، والتي كانت في جمادي الآخر، سنة ٢هــ كما يقول ابن إسحاق، ولم يحدث فيها قتال وتسمى -أيضًا- غزوة سفوان.
الزمن والدوافع وراء بدر الكبرى
أما بدر الثانية أو بدر الكبري، أو بدر القتال فوقعت في السابع عشر من شهر رمضان سنة ٢هــ، وسببها: تصدِّي الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعير قريش والاستيلاء عليها، وهذا عدل وقصاص؛ لأنه من غير المعقول أن تفعل قريش بالمسلمين كل ما فعلت، ثم يتركوها تمرّ أمام أعينهم بدون عقاب وهم قادرون على ذلك، يقول ابن إسحاق: لما سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأبي سفيان مقبلًا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال:«هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنَفِّلَكُمُوهَا»[سيرة ابن هشام، ج٢، ص٢٤٤].
كانت قريش تعرف أن الطريق إلى الشام قد أصبح محفوفًا بالمخاطر، وقائد القافلة القرشية وهو أبو سفيان بن حرب كان رجلًا ذكيًا وحذرًا، واستطاع أن يعرف أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته قد خرجوا للتصدِّي له، ومصادرة ما معه من أموال؛ تعويضًا عن أموالهم التي صادرتها قريش في مكة؛ لذلك اتخذ إجراءين سريعين:
الأول: تغيير الطريق الطبيعي وسلوك طريق ساحلي بعيدًا عن النظر.
والثاني: أنه استأجر رجلًا من قبيلة غفار هو ضمضم بن عمرو الغفاري، وأرسله إلى مكة على عجل؛ ليخبر أهلها أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- قد عرض لتجارتهم .
استطاع أبو سفيان النجاة بتجارته، ولكن رسوله كان قد وصل إلى مكة وأخبرهم بطريقة مفزعة، فبدأوا يتهيأون للخروج، فإذا بأبي سفيان يصل سالمًا بتجارته، وكان من رأيه هو وبعض عقلاء مكة مثل عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أنه ما دامت تجارتهم قد نجت فلا داعي للخروج للحرب؛ لأن المسلمين إخوتهم وأبناء عمومتهم، وتقريبًا كل الأسر القرشية منقسمة: بعضها مسلم وبعضها مشرك، فإذا التقوا ودار قتال فالخسارة على الجميع وستؤجج الأحقاد والثارات.
لم تجد دعوة عقلاء مكة أمام حلف أبي جهل بن هشام الذي قرع طبول الحرب، وأرادها أن تكون مظاهرة يتسامع بها العرب، وأقسم بالآلهة أنه لابد من الذهاب إلى بدر؛ ليشربوا الخمور، وينحروا الجزور، وتعزف عليهم القيان ، ولم يكن يدري أنه سيلاقي حتفه هناك ويذهب إلى جهنم وبئس المصير.
موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمة المواجهة
موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم: علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن القافلة قد نجت، وعلم أن قريشًا قد خرجت بخيلائها وقضها وقضيضها، فإذا ترك لها الميدان وعاد إلى المدينة - كما كان يري بعض أصحابه؛ لأنهم لم يخرجوا مستعدين للقتال - فإن هذا سيكون له عواقب وخيمة ليس في نظر قريش وحدها بل في نظر كثيرين من العرب الذين قد يتجرؤون على الدولة الوليدة.
الحق أن الموقف كان حرجًا وصعبًا للغاية، ولذلك يحتاج إلى حكمة بالغة في المعالجة، ومَنْ أَحْكَمُ من الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمواجهة تلك المواقف الصعبة؟
لقد قرر -صلى الله عليه وسلم- أن يواجه الموقف بما يناسبه، وأخذ يروِّض أصحابه تدريجيًا على المواجهة، فأخذ يستشيرهم أولًا في مبدأ القتال فوجد استجابة سريعة من المهاجرين، ولكنه كان يريد أن يطمئن على موقف الأنصار، لأن بيعة العقبة الثانية، أو بيعة القتال لم تكن تلزمهم بالحرب خارج المدينة، ففطنوا لما يقصده، وطمأنوه أنهم معه حتى لو خاض بهم البحر [سيرة ابن هشام، ج٢، ص٢٥٤].
معركة بدر الكبرى وكسر شوكة قريش وصناعة التاريخ
المعركة: اطمأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى صدق إيمان أصحابه جميعًا، ومتانة موقفهم، وشرع على الفور في الاستعداد للمواجهة التي أصبحت حتمية، ونزل عند ماء بدر، بناء على نصيحة الحباب بن المنذر الذي كان خبيرًا بالمكان .
كان عدد المسلمين أكثر قليلًا من ثلاثمائة رجل، وكان عدد المشركين نحو الألف، ودارت معركة بدر الكبرى، المعركة الفارقة في التاريخ، في يوم السابع عشر من شهر رمضان، سنة ٢هـ، واستغرقت بعض ذلك اليوم، وانجلت عن نصر ساحق للمسلمين، وهزيمة منكرة للمشركين، الذين خرّ منهم سبعون قتيلًا في الميدان وأسر منهم سبعون، وكان عدد شهداء المسلمين أربعة عشر شهيدًا.
نزلت سورة الأنفال بعد المعركة تشرح ما جرى فيها وأثرها في مستقبل الإسلام، وأوضحت أن بعض المسلمين كان يريد الحصول على العير المحملة بالأمتعة دون قتال، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ} [الأنفال: ٧].
ولكن الله تعالى رأى أن المواجهة وكسر شوكة الشرك وغطرسة قريش وغرورها هو الأفضل لهم فقال تعالى: {لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} [الأنفال: ٨].
فانتقل المسلمون بهذا النصر المبين من الذلة إلى العزة، ومن الضعف إلى القوة، كما عبر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: {وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ}[آل عمران: ١٢٣] وقوله تعالى: {وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [الأنفال: ٢٦].
هذه النتيجة أفضل بكثير لكم من العير، إنكم غنمتم من الحرب وفداء الأسرى أكثر بكثير من قيمة العير، يعني أن الله تعالى اختار لكم الأفضل والأكرم، فقد أصبحت لكم هيبة كبيرة في عيون كل العرب، بل وفي عيون غير العرب، وعندما نتأمل قول الله تعالى عن هذه المعركة أنها كانت يوم الفرقان، كما أخبرت الآية ٤١ من سورة الأنفال، نري أنها كانت فعلًا يومًا فاصلًا في تاريخ البشرية، فنتائج المعارك لا تقاس بضخامة حجمها، أو عدد الجيوش المتقاتلة، أو عدد ضحاياها، وإنما بنتائجها، فنتائج بدر لم تتوقف عند دحر قريش وكسر غرورها، وإنما يمكن أن يقال دون مبالغة: إنه في قليب بدر لم يدفن أبو جهل ورفاقه من أئمة الكفر، وإنما (دفن عصر بكامله) وجاهليته، وفي قليب بدر دفنت غطرسة الفرس والروم وظهرت للدنيا قوة جديدة قائمة على منهج إلهي هو الدعوة الإسلامية، التي ستضم معظم العالم القديم في قاراته الثلاث المعروفة وقتئذ: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وسينعم كل من انضوى تحت لواء العروبة الإسلامية بالعدل والحرية والكرامة الإنسانية، بصرف النظر عن جيشه ولغته ودينه، وهذه حقيقة اعترف بها طائفة كبيرة من المستشرقين مثل توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام)، و جوستاف لوبون في كتاب (حضارة العرب) وسيجريد هونكه في كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) وغيرهم كثيرون.
لقد كانت معركة بدر الخالدة حقًا يومًا فاصلًا في تاريخ البشرية، وحظي كل من حضرها من المسلمين بشرف ما بعده شرف، فأصبحت كلمة بدري وِسامًا إلهيًّا على صدورهم، ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
هذا عن بدر الثانية أو بدر الكبري أو بدر القتال، أما غزوة بدر الثالثة التي ارتبط اسمها بهذا المكان، فكانت في العام الرابع الهجري بعد معركة أحد بنحو عام؛ لأن أبا سفيان كان قد قال - مزهوًا بما ظنه نصرًا في أُحد -: يوم بيوم بدر، وموعدنا بدر العام القادم، لكن لما جاء العام القادم جبنت قريش عن الخروج للموعد الذي حددته هي بنفسها، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- خرج وذهب إلى بدر، في نفس الموعد فلم يجد قريشًا وظل اسبوعًا هو وأصحابه الذين تاجروا وكسبوا، لأن بدرًا سوق من أسواق العرب الكثيرة، وغدت غزوة بدر الثالثة أو بدر الموعد نصرًا منسوبا للرسول -صلى الله عليه وسلم- وهزيمة مريرة لقريش [انظر وقائع غزوة بدر الآخرة في سيرة ابن هشام، ج٣، ص٢٢١، وما بعدها] ملأتها غيظًا وحنقًا مضاعفًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فخرجت عليه بتأليب اليهود في العام الخامس للقضاء على الإسلام نهائيًا، ولكن الله خيب أملهم، {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا}[الأحزاب: ٢٥] .
غزوة بدر الكبرى لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت منعطفًا استراتيجيًا وإنسانيًا غيّر موازين القوى في الجزيرة العربية، أظهرت حكمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبصيرة أصحابه في مواجهة التحدي، وكشفت ضعف قريش رغم قوتها الظاهرة، وحقق المسلمون نصرًا مدويًا، نزلت بعده آيات تبين الحكمة الإلهية وراء المعركة، وتؤكد أن بدرًا كانت حقًا يوم الفرقان، ومن قليب بدر ارتفعت راية الإسلام؛ لتصل إلى آفاق جديدة وتضع أسسًا لعالم أكثر عدلًا وكرامة.




