عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم تحالف المسيرات والصواريخ: إيران وحزب الله يطلقان مرحلة الردع الجماعي - بوابة نيوز مصر
تشهد المنطقة في هذه اللحظات الفارقة تصعيداً عسكرياً هو الأخطر من نوعه، حيث نفذت كل من إيران وحزب الله هجوماً مزدوجاً وواسع النطاق استهدف العمق الإسرائيلي بشكل متزامن. هذا الهجوم الذي تكرر ثلاث مرات خلال ساعتين فقط، يمثل تجاوزاً لكل الخطوط الحمراء السابقة، حيث انطلقت الصواريخ الباليستية من الهضبة الإيرانية بالتوازي مع أسراب المسيرات الانقضاضية والرشقات الصاروخية المكثفة التي أطلقها مقاتلو الحزب من جنوب لبنان باتجاه تل أبيب وحيفا.
وحسب تقرير لـ "الجزيرة"، فإن صافرات الإنذار لم تتوقف عن الدوي في مناطق واسعة من شمال إسرائيل وصولاً إلى القدس المحتلة، إثر رصد إطلاق منسق للصواريخ. وأكدت المصادر الميدانية أن هذا التحرك العسكري المشترك بين إيران وحزب الله أدى إلى حالة من الإرباك الشديد في منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية "آرو" و"مقلاع داود" و"القبة الحديدية"، والتي واجهت ضغطاً تقنياً وعملياتياً هائلاً نتيجة كثافة النيران القادمة من جهتين جغرافيتين مختلفتين في آن واحد.
وفي تفاصيل المشهد الميداني المتفجر، أعلن حزب الله اللبناني عن استهداف سلسلة من القواعد العسكرية الإستراتيجية، شملت قاعدة ميرون للمراقبة الجوية وقاعدة نفح في الجولان السوري المحتل. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت الهجمات لتطال قاعدة رامات ديفيد الجوية وسرباً من المسيرات التي ضربت قاعدة حيفا البحرية، مما يعكس رغبة واضحة في شل القدرات اللوجستية والعسكرية الإسرائيلية وتشتيت تركيز القيادة الأمنية في تل أبيب.
كما كشف الحزب في بياناته المتلاحقة عن تنفيذ هجوم نوعي بسرب من الطائرات المسيرة الانقضاضية استهدف قاعدة تل هشومير، التي تضم مقر القيادة الأركانية جنوب شرق تل أبيب. وتعد هذه العملية اختراقاً كبيراً لكون الهدف يقع على مسافة تقدر بنحو 120 كيلومتراً من الحدود اللبنانية، مما يثبت أن التنسيق بين إيران وحزب الله قد انتقل من مرحلة الدعم المعنوي واللوجستي إلى مرحلة التنفيذ الميداني المشترك والفعال في قلب الأراضي المحتلة.
وتعيد هذه الجولة العنيفة من الصدام المسلح إحياء المفهوم الإستراتيجي المعروف بـ "وحدة الساحات"، الذي تبلور بوضوح عقب أحداث السابع من أكتوبر عام 2023. فبعد أن كان الإسناد يتخذ طابعاً تدريجياً أو متقطعاً، جاء الهجوم الحالي ليؤكد أن أطراف المحور قررت دمج قدراتها الصاروخية في بوتقة واحدة، وهو ما يراه المراقبون العسكريون تطوراً جوهرياً يهدف إلى إرهاق التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية عبر إغراقها بأهداف متعددة المصادر والسرعات والأنواع.
التحول الإستراتيجي في إدارة الصراع
يرى الخبراء أن هذه المواجهة تختلف جوهرياً عن كل الجولات السابقة التي شهدتها المنطقة على مدار العقود الماضية، لكونها المرة الأولى التي يضغط فيها الطرفان على الزناد في ثانية واحدة. هذا المستوى العالي من التناغم يشير بوضوح إلى وجود غرف عمليات مشتركة حقيقية تدير المعركة بدقة متناهية، وربما يمهد الطريق لتأسيس قيادة عسكرية موحدة تشرف على كافة الجبهات الممتدة من طهران مروراً ببغداد وصولاً إلى بيروت وصنعاء.
وفي قراءة لهذه الدلالات، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي أسامة خالد أن تزامن الضربات يعكس تحولاً لافتاً في نمط إدارة المواجهات متعددة الجبهات التي تخوضها المنطقة حالياً. وأوضح أن الهجوم الذي نُفذ اليوم هو نتاج تخطيط مسبق وعميق يشرف عليه الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر، مؤكداً أن الهدف هو إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي اعتداء على طرف في المحور سيواجه برد جماعي ساحق ومنسق زمنياً.
وأشار الخبير خالد في تصريحاته الصحفية إلى أن محاولات إسرائيل السابقة لتعطيل هذا النوع من العمليات، عبر استهداف قادة عسكريين بارزين في دمشق وبيروت، لم تؤتِ ثمارها المرجوة في فك الارتباط العملياتي. بل على العكس تماماً، يبدو أن استهداف "قائد فيلق لبنان" في الحرس الثوري قبل أيام قد حفز المحور على تسريع وتيرة العمل الجماعي، مما جعل التعاون بين إيران وحزب الله يتخذ طابعاً أكثر شراسة وتنظيماً في الميدان.
وتحمل هذه التطورات العسكرية المتلاحقة دلالات سياسية وأمنية عميقة تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة للصراع، حيث تتصل بتطور أدوات الردع المتبادل وقدرة المحور على المناورة في ظروف معقدة. إن قدرة الطرفين على تنفيذ هجوم متكرر ثلاث مرات خلال ساعتين فقط تعني أن مخازن السلاح ومنصات الإطلاق لا تزال تتمتع بكفاءة عالية رغم الضربات الاستباقية الإسرائيلية، وهو ما يضع الحكومة الأمنية في إسرائيل أمام خيارات صعبة ومصيرية.
الرسائل النارية وتوازنات الردع الجديدة
إن تكرار الهجمات بهذا الإيقاع المتسارع يحمل في طياته رسائل سياسية حادة مكتوبة بالنار، تؤكد أن طهران والضاحية الجنوبية مستعدتان للذهاب إلى أبعد مدى في هذه المواجهة. فالهجوم المنسق يهدف بالأساس إلى إثبات القدرة على فتح جبهة حقيقية ومستمرة من لبنان، مما يزيد من الكلفة الاقتصادية والبشرية على إسرائيل، خاصة مع استهداف مراكز حيوية وموانئ إستراتيجية مثل ميناء حيفا الذي يعد شريان الحياة الرئيسي للكيان.
ويضيف المحللون أن هذا النمط الهجومي يهدف بشكل تقني إلى استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية، التي تكلف مبالغ طائلة مقارنة بتكلفة الصواريخ والمسيّرات الهجومية. إن الجمع بين الصواريخ الباليستية القادمة من مسافات بعيدة والنيران القصيرة والمسيرات القريبة من الحدود اللبنانية يخلق حالة من "التشبع الراداري"، مما يرفع نسبة نجاح الصواريخ في الوصول إلى أهدافها بدقة، وهو ما حدث بالفعل في عدة مواقع عسكرية داخل العمق.
وتأتي هذه التطورات في سياق حرب أوسع بدأت السبت الماضي، حين شنت إسرائيل والولايات المتحدة عملية عسكرية كبرى أطلقت عليها تل أبيب اسم "زئير الأسد"، بينما وصفتها واشنطن بـ "الغضب الملحمي". وقد أسفرت تلك العمليات عن خسائر بشرية كبيرة في صفوف القيادة الإيرانية، مما دفع طهران للرد عبر عملية "الوعد الصادق 4"، لتدخل المنطقة في نفق مظلم من الردود المتبادلة التي لا يبدو أنها ستتوقف قريباً.
وكان حزب الله قد أعلن صراحة أن دخوله القوي على خط المواجهة الأخير جاء رداً على اغتيال المرشد الإيراني ومسؤولين أمنيين بارزين، مؤكداً أن دماء القادة تشكل وقوداً جديداً للمقاومة. ويعد هذا التصعيد هو الأول من نوعه للحزب منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، مما يعني سقوط كافة التفاهمات السابقة والعودة إلى مربع المواجهة الشاملة التي لا تلتزم بحدود أو قواعد اشتباك تقليدية.
خلفية الصراع وجذور المواجهة الإيرانية
تعد العلاقة بين طهران وتل أبيب سلسلة طويلة من "حرب الظل" التي تحولت الآن إلى مواجهة علنية ومباشرة فوق الأرض وتحت السماء. فإيران تعتبر إسرائيل كياناً غير شرعي ومصدراً لعدم الاستقرار في المنطقة، بينما تشن إسرائيل منذ سنوات حملة "المعركة بين الحروب" لاستهداف التموضع الإيراني في سوريا ومنع وصول الأسلحة الكاسرة للتوازن إلى حزب الله، وهي سياسة يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود اليوم.
وعلى مر السنين، طورت إيران ترسانة صاروخية وبرنامجاً للمسيرات يعد الأضخم في الشرق الأوسط، مستمدة قوتها من شبكة حلفاء تمتد من اليمن إلى لبنان. وقد مكنت هذه الإستراتيجية إيران من خلق "طوق من نار" حول إسرائيل، حيث أصبحت القواعد العسكرية الإسرائيلية تحت رحمة الصواريخ من كافة الجهات، وهو ما تجلى بوضوح في الهجوم الأخير الذي أثبت فاعلية هذا التوزيع الجغرافي للقوة العسكرية.
وتلعب الأيديولوجيا دوراً محورياً في صياغة هذه المواجهة، حيث يتبنى الحرس الثوري عقيدة الدفاع الهجومي وتصدير الثورة، مما جعل من دعم الحركات المسلحة ركيزة أساسية في سياسته الخارجية. وفي المقابل، ترى إسرائيل في المشروع النووي الإيراني وتمدد نفوذها الإقليمي تهديداً وجودياً لا يمكن التعايش معه، مما دفعها لتنفيذ عمليات اغتيال وتخريب داخل العمق الإيراني، وصولاً إلى المواجهة الشاملة الحالية التي تهدد بحرق المنطقة.
إن المشهد الحالي يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمنع انزلاق الأمور نحو حرب إقليمية كبرى قد تشمل قوى دولية. ومع استمرار التنسيق العالي بين إيران وحزب الله، تظل الاحتمالات مفتوحة على كافة السيناريوهات، بما في ذلك توسيع رقعة الأهداف لتشمل البنى التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، مما قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي وأمني لا يمكن التنبؤ بتبعاته على خارطة الشرق الأوسط السياسية والجغرافية.
آفاق المواجهة والسيناريوهات المتوقعة
مع دخول المواجهة يومها الخامس، يبدو أن الطرفين قد قررا خوض معركة استنزاف طويلة الأمد لا تهدف فقط لتبادل الضربات، بل لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. فإسرائيل تسعى لاستعادة الردع الذي تآكل، بينما تحاول جبهة المقاومة إثبات أن زمن الاستفراد بأي طرف قد ولى، وأن الهجوم الموحد هو الرد الإستراتيجي الوحيد المتاح حالياً لمواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي المدعوم أمريكياً.
ويبقى السؤال المطروح في أروقة مراكز الدراسات هو عن مدى قدرة إسرائيل على تحمل حرب استنزاف على عدة جبهات في وقت واحد، في ظل ضغوط داخلية واقتصادية متزايدة. إن نجاح إيران وحزب الله في فرض معادلة التوقيت الواحد يضع القيادة الإسرائيلية في مأزق عملياتي، حيث يضطر الجيش لتوزيع موارده الدفاعية والهجومية بشكل يضعف فاعليتها، مما يفتح ثغرات قد تُستغل في موجات هجومية قادمة.
يمثل هذا اليوم فصلاً جديداً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي والإيراني الإسرائيلي، حيث سقطت فيه نظريات الأمن التقليدية وحلت محلها لغة "وحدة الساحات" والعمل المنسق. إن ما حدث ليس مجرد رشقات صاروخية عابرة، بل هو إعلان عن ولادة واقع جيوسياسي جديد، تكون فيه الكلمة العليا لمن يمتلك القدرة على الصمود في وجه النيران المتزامنة والقدرة على مفاجأة الخصم في عقر داره.




