عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم سيناريوهات التفكيك والدمج.. هل تنجح ليبيا في تحجيم نفوذ الفصائل المسلحة؟ - بوابة نيوز مصر
تعد معضلة انتشار الفصائل المسلحة في ليبيا الجرح النازف في جسد الدولة التي تحاول جاهدة منذ سنوات استعادة سيادتها المسلوبة وسط غابة من البنادق المنفلتة.
مشهد يرزح تحت ثقل مأساوي يتمثل في وجود أكثر من ثلاثمئة تشكيل عسكري يسيطر على مفاصل الحياة اليومية ويحول المدن المكتظة إلى ساحات تدريب ومخازن بارود موقوتة، بينما تغول الفصائل المسلحة في ليبيا لم يعد مجرد ظاهرة أمنية عابرة يمكن احتواؤها بقرارات وزارية أو وعود انتخابية، بل تحول إلى بنية موازية للدولة تلتهم ميزانياتها وتعرقل مسارها الديمقراطي. تشير الإحصاءات الرسمية والتقديرات الأممية إلى وجود نحو تسعة وعشرين مليون قطعة سلاح خارج سيادة القانون، مما جعل لغة الرصاص هي الحاكم الفعلي في مناطق واسعة من البلاد وبخاصة في المنطقة الغربية.
تتجلى خطورة الفصائل المسلحة في ليبيا في إصرار قادتها على اتخاذ الأحياء المدنية في طرابلس ومدن الساحل مقرات دائمة لآلياتهم ومخازن لذخيرتهم، مما عرض حياة ملايين الأبرياء لخطر دائم. وقد دفع الليبيون ثمناً باهظاً لهذا التواجد العسكري غير القانوني، حيث سقطت طفلة بريئة في صرمان الأسبوع الماضي ضحية لمقذوف طائش، لينضم اسمها إلى قائمة طويلة من ضحايا الفوضى المسلحة.
تؤكد التقارير الميدانية أن الفصائل المسلحة في ليبيا ترفض الانصياع لأوامر الإخلاء التي تصدرها حكومة الوحدة الوطنية، حيث تحولت معسكرات مثل اليرموك والـ77 وحمزة إلى قلاع حصينة يصعب اختراقها. ورغم إعلان رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة عن خطط لتحويل هذه المقار إلى حدائق عامة وفضاءات ترفيهية، إلا أن الواقع يشير إلى أن السلاح لا يزال يفرض كلمته العليا فوق إرادة التغيير المدني.
أما جذور أزمة الفصائل المسلحة في ليبيا فهي تمتد إلى عقود من التصحر المؤسسي الذي مارسه النظام السابق، مما خلق فراغاً أمنياً هائلاً بعد عام 2011 سارعت المجموعات المسلحة لملئه. تحول الانتماء لهذه الفصائل من فعل ثوري يهدف لحماية التغيير إلى مهنة ومصدر للدخل والنفوذ في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية للشباب الليبي الذي وجد نفسه وقوداً لحروب عبثية لا تنتهي.
خريطة الانتشار وتحديات السيطرة على العاصمة ومدن الغرب
حسب تقرير لموقع اندبندت عربية تتوزع القوة العسكرية في العاصمة طرابلس بين تشكيلات متباينة الولاءات والأهداف، حيث تسيطر بعض الأجهزة الأمنية المستحدثة على مقار حيوية وسط الأحياء السكنية المزدحمة. هذا التواجد الكثيف يجعل من أي احتكاك بسيط بين عنصرين من فصيلين مختلفين شرارة لحرب شوارع شاملة تستخدم فيها المدافع الرشاشة والمدرعات، مما يؤدي إلى شلل تام في حياة المواطنين وتدمير ممتلكاتهم الخاصة.
في مدن الساحل الغربي، مثل الزاوية وصبراتة، أصبحت الفصائل المسلحة في ليبيا تشكل تحدياً وجودياً لسلطة الدولة، حيث اعترف وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي بأن هذه المناطق باتت خارج السيطرة الأمنية. هذا الاعتراف الصادم قوبل بردود فعل غاضبة من قادة الميدان الذين هددوا بالتصعيد العسكري، مما يعكس حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والقدرة الفعلية على فرض القانون على الأرض.
إن محاولات دمج هذه المجموعات في سلك الشرطة والجيش واجهت فشلاً ذريعاً لأنها لم تقترن بعمليات تفكيك حقيقية للسلاح أو تغيير في العقيدة القتالية لهؤلاء الشباب. بدلاً من ذلك، قامت الحكومات المتعاقبة بـ "شرعنة" هذه الميليشيات عبر منحها مسميات رسمية ورواتب مجزية من خزينة الدولة، دون أن تملك السلطة التنفيذية حق محاسبتها أو توجيه تحركاتها العسكرية أو الأمنية داخل المدن.
الفشل البنيوي والتدخلات الدولية في تأزيم الملف الأمني
فشلت كافة المبادرات المحلية والدولية في معالجة ملف الفصائل المسلحة في ليبيا بسبب غياب الإرادة السياسية الموحدة وتضارب مصالح الدول الإقليمية التي وجدت في هذه الفصائل وكلاء لمصالحها. لقد تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة الليبية كملف لإدارة الصراع لا لحله، حيث استمرت عمليات تهريب السلاح عبر الحدود رغم القرارات الأممية الصارمة بحظر توريد الأسلحة إلى الأطراف المتنازعة.
يرى الخبراء أن الحلول التجميلية التي تقترحها الحكومة، مثل نقل المقار العسكرية إلى خارج المدن، لا تعالج أصل المشكلة المتمثل في وجود جيشين متوازيين وانقسام مؤسساتي حاد. فبينما يتمتع شرق البلاد وجنوبه باستقرار أمني نسبي تحت قيادة عسكرية موحدة، تظل طرابلس رهينة لتوازنات القوة بين زعماء الميليشيات الذين يتقاسمون النفوذ والسيطرة على مؤسسات الدولة المالية والإدارية.
إن استمرار وجود الفصائل المسلحة في ليبيا يعيق أي فرصة لإجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة، حيث لا يمكن ضمان سلامة العملية الانتخابية في ظل انتشار السلاح والتهديدات المستمرة. يخشى الليبيون أن تتحول صناديق الاقتراع إلى وقود جديد لصراع مسلح إذا لم تكن النتائج على هوى القوى المسيطرة ميدانياً، مما يجعل من تفكيك هذه المجموعات شرطاً أساسياً لأي تحول ديمقراطي حقيقي ومنشود.
البعد الاجتماعي والاقتصادي لظاهرة الميليشيات المسلحة
لا يمكن عزل نمو الفصائل المسلحة في ليبيا عن الواقع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه الشباب الليبي، حيث أصبحت الميليشيا هي "المشغل الأكبر" في غياب القطاع الخاص والمشاريع التنموية. إن الراتب الممنوح للمسلح يمثل طوق نجاة لعائلته في ظل التضخم وانهيار القوة الشرائية للدينار، مما يجعل من فكرة تسليم السلاح انتحاراً اقتصادياً قبل أن يكون تنازلاً عن النفوذ العسكري.
لقد تشكلت على مدار العقد الماضي "هوية عسكرية" جديدة للشباب الليبي، حيث يرى هؤلاء في الفصيل المسلح الحماية والجاه والقدرة على فرض الإرادة في مجتمع تسوده القبلية والمناطقية. هذا التحول الثقافي جعل من السلاح جزءاً من الشخصية العامة، وأدى إلى تآكل الثقة في القضاء والشرطة والمؤسسات المدنية، حيث يفضل المواطن أحياناً اللجوء لـ "القائد الميداني" لتحصيل حقوقه بدلاً من انتظار عدالة المحاكم البطيئة.
إن معالجة ظاهرة الفصائل المسلحة في ليبيا تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة الدمج الاجتماعي والمهني، يبدأ من توفير فرص عمل حقيقية واستثمارات ضخمة في البنية التحتية. يجب تحويل موازنات "الأمن والترتيبات العسكرية" إلى صناديق لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بحيث يصبح ترك السلاح خياراً اقتصادياً مربحاً للشباب، وليس مجرد استجابة لنداءات وطنية قد لا تطعم خبزاً في ظل ظروف المعيشة القاسية.
رؤية للحل: تجفيف المنابع وإعادة بناء العقيدة الوطنية
إن الخروج من نفق الفصائل المسلحة في ليبيا المظلم يتطلب شجاعة سياسية تبدأ بتجفيف منابع التمويل غير القانوني وربط صرف الرواتب بالانضواء الكامل تحت قيادة عسكرية مهنية واحدة. يجب أن يكون هناك قرار سيادي حاسم بمنع تواجد أي قطعة سلاح متوسط أو ثقيل داخل المناطق الحضرية، مع تفعيل قوانين صارمة تجرم حمل السلاح خارج الأطر القانونية وتفرض عقوبات رادعة على المخالفين مهما بلغت رتبهم.
على المجتمع الدولي أن يتوقف عن سياسة "التعامل المزدوج" مع القوى المسلحة، وأن يدعم بوضوح بناء جيش ليبي موحد يمتلك احتكار القوة الشرعية في كامل التراب الوطني. إن استقرار ليبيا هو مفتاح استقرار المنطقة بأسرها، وبقاء العاصمة طرابلس تحت رحمة الميليشيات يعني استمرار تهديدات الهجرة غير الشرعية والتهريب والإرهاب التي تؤرق دول الجوار وحوض البحر الأبيض المتوسط بشكل مستمر.
في الختام، لن تنتهي أزمة الفصائل المسلحة في ليبيا إلا عندما يقتنع الليبيون بأن الدولة هي المظلة الوحيدة التي تحمي الجميع، وأن السلاح في يد المجموعات هو عبء على المستقبل لا وسيلة لحمايته. إن الطريق إلى ليبيا المستقرة يبدأ من إخلاء الأحياء السكنية من المعسكرات، ومن تحويل الرصاص إلى أدوات بناء، ومن استعادة كرامة المواطن التي ضاعت بين مطرقة الانقسام السياسي وسندان الميليشيات المسلحة الجاثمة على صدور المدن.




