عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم تمرد جمهوري نادر تحت القبة: الكونجرس الأمريكي يوجه صفعة لترمب ويُسقط رسوم كندا - بوابة نيوز مصر
الكونجرس الأمريكي عاش واحدة من تلك الليالي التي ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ التشريعي الحديث، حيث شهدت قاعاته تمردًا نادرًا وغير متوقع هز أركان الانضباط الحزبي الصارم الذي ميز السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة، ففي خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز مجرد الأرقام والنسب.
صوت مجلس النواب لصالح إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على كندا، وذلك في تحدٍ صريح ومباشر من المؤسسة التشريعية لزعيم الحزب الذي يسيطر عليها، وقد جاء هذا القرار بفارق ضئيل جداً، حيث أيد القرار مائتان وتسعة عشر عضواً مقابل معارضة مائتين وأحد عشر، في مشهد درامي كشف عن شقوق واضحة في الجدار الجمهوري، بعد أن انضم ستة نواب من الحزب الجمهوري إلى زملائهم الديمقراطيين لتمرير هذا المشروع، مما أرسل رسالة مدوية من قلب السلطة التشريعية إلى البيت الأبيض مفادها أن سلاح التعريفة الجمركية الذي يعتمده الرئيس كركيزة أساسية في استراتيجيته الاقتصادية والضغطية لم يعد محصناً ضد النقد أو الاعتراض، حتى من داخل بيته السياسي.
تصدع الجدار الحزبي ورسالة الرموز السياسية
على الرغم من أن المراقبين السياسيين يدركون جيداً أن هذا القرار قد لا يجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي في القريب العاجل، نظراً للعقبات التشريعية المعقدة التي تنتظره، إلا أن قيمته الحقيقية تكمن في رمزيته القوية وتوقيته الحساس، فالمشروع يحتاج للمرور عبر مجلس الشيوخ، وحتى في حال نجاحه هناك، فإنه سيصطدم حتماً بفيتو رئاسي يتطلب لكسره أغلبية الثلثين في كلا المجلسين، وهي عتبة تبدو شبه مستحيلة في ظل الاستقطاب الحاد الذي تعيشه واشنطن، ومع ذلك، فإن مجرد نجاح مجلس النواب في تمرير هذا القرار يمثل سابقة خطيرة لإدارة ترمب، حيث كسر هؤلاء النواب الستة حاجز الخوف والولاء المطلق، معلنين أن المصلحة الاقتصادية لدوائرهم الانتخابية وقناعاتهم بمبادئ التجارة الحرة تعلو على الانضباط الحزبي، وهذا التمرد يشير بوضوح إلى أن الكونجرس الأمريكي بدأ يستعيد صوته المفقود في مواجهة تغول السلطة التنفيذية، وأن سياسة فرض الرسوم كأداة ضغط دبلوماسي باتت تواجه مأزقاً حقيقياً قد يحد من قدرة الرئيس على استخدامها بحرية مطلقة في المستقبل، خاصة وأن هؤلاء "المنشقين" قد فتحوا الباب أمام احتمالية تكرار هذا السيناريو في ملفات أخرى شائكة.
معركة الصلاحيات الدستورية واستعادة المفاتيح
لم يكن الجدل الذي دار تحت قبة الكابيتول مقتصراً على مجرد أرقام ونسب جمركية أو علاقات تجارية مع الجارة الشمالية كندا فحسب، بل كان في جوهره صراعاً دستورياً عميقاً حول ميزان القوى بين السلطات، وجوهر المعركة الحقيقي كان يدور حول سؤال محوري: من يملك مفتاح الاقتصاد والضرائب؟ فالقرار الذي قاده النائب الديمقراطي غريغوري ميكس لم يستهدف الرسوم لذاتها بقدر ما استهدف الأساس القانوني الذي استند إليه البيت الأبيض، وهو إعلان "حالة الطوارئ الوطنية" لتبرير فرض هذه الضرائب دون الرجوع إلى المشرعين، وقد أعاد هذا النقاش فتح ملف الصلاحيات الدستورية على مصراعيه، حيث تصاعدت الأصوات التي تتساءل عن مدى قانونية تحويل قوانين الطوارئ المصممة للأزمات الأمنية والكوارث إلى تفويض مفتوح وشبه مطلق بيد الرئيس ليتحكم في حركة التجارة العالمية ويفرض ضرائب على الواردات بقرارات منفردة، وهو ما يعتبره كثيرون تغولاً على صلاحيات الكونجرس الأمريكي الأصيلة في تنظيم التجارة وسن الضرائب، مما يستدعي وقفة جادة لاستعادة هذه الصلاحيات المنهوبة.
أصداء الشارع وضغوط المعيشة اليومية
تتجاوز أهمية هذا الحراك التشريعي أروقة السياسة النخبوية لتلامس هموم المواطن الأمريكي البسيط بشكل مباشر، حيث لم يعد موضوع الرسوم الجمركية مجرد نقاش تقني معقد بين الاقتصاديين، بل تحول إلى قضية رأي عام تمس جيوب الناخبين وقدرتهم الشرائية، وتشير استطلاعات الرأي الحديثة، ومنها ما صدر عن مركز بيو للأبحاث، إلى أن المزاج العام الأمريكي بات رافضاً لهذه السياسات، حيث يعارض ستون في المائة من الأمريكيين زيادة الرسوم الجمركية، مقابل أقلية تبلغ سبعة وثلاثين في المائة فقط تؤيدها، وهذه الأرقام تعكس وعياً متزايداً لدى الجمهور بأن تكلفة هذه الحروب التجارية لا يتحملها المصدرون الأجانب كما يروج الخطاب الرسمي للإدارة، بل يدفع ثمنها المستهلك الأمريكي في نهاية المطاف من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وهو ما يمنح الحزب الديمقراطي ورقة سياسية رابحة لربط سياسات ترمب الجمركية بموجات التضخم وغلاء المعيشة، مما يضع النواب الجمهوريين، خاصة أولئك الذين يمثلون دوائر متأرجحة، في موقف لا يحسدون عليه بين مطرقة الدفاع عن سياسات رئيسهم وسندان غضب الناخبين الذين يكتوون بنار الأسعار.
المسار القضائي وظلال المحكمة العليا
في خضم هذا الصراع السياسي والتشريعي، يبرز المسار القضائي كعامل حاسم قد يغير قواعد اللعبة برمتها، حيث أن شرعية استخدام قانون الطوارئ لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق باتت الآن تحت مجهر المحكمة العليا الأمريكية، وتكتسب تحركات الكونجرس الأمريكي في هذا السياق أهمية مضاعفة، إذ أنها ترسل إشارات سياسية وقانونية إلى القضاة مفادها أن السلطة التشريعية نفسها غير راضية عن هذا التوسع في استخدام الصلاحيات الاستثنائية، وقد أظهرت المداولات القانونية والمرافعات الأخيرة تشكيكاً واضحاً من قبل قضاة المحكمة العليا، باختلاف توجهاتهم الأيديولوجية، في فكرة أن يتم تطويع قانون صمم أساساً للتعامل مع التهديدات الأمنية والعقوبات ليصبح أداة لفرض سياسات حمائية شاملة، وبالتالي فإن تصويت مجلس النواب، وإن كان رمزياً في نتيجته المباشرة، فإنه يشكل ورقة ضغط معنوية قوية قد تؤثر في قناعات المحكمة وتدفعها نحو تقييد سلطة الرئيس في هذا الملف، مما سيمثل ضربة قاصمة لاستراتيجية البيت الأبيض الاقتصادية التي تعتمد بشكل كبير على حرية الحركة بعيداً عن قيود التشريع.
اختبارات الولاء ومخاطر انتخابات التجديد النصفي
مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في خريف هذا العام ونوفمبر ألفين وستة وعشرين، يتحول هذا التصويت من مجرد إجراء تشريعي إلى اختبار ولاء قاسٍ داخل الحزب الجمهوري، حيث يلوح الرئيس السابق والمرشح المحتمل بقوة سلاحه المفضل في وجه المنشقين، وهو التهديد بدعم منافسين لهم في الانتخابات التمهيدية للحزب، وهذا التكتيك يحول كل عملية تصويت في الكونجرس الأمريكي إلى مغامرة سياسية قد تنهي المسيرة المهنية لأي نائب يفكر في الخروج عن الصف، فالنواب الستة الذين تجرأوا وصوتوا ضد الرسوم، وهم دون بايكن، وتوماس ماسي، وكيفن كيلي، وجيف هيرد، ودان نيوهاوس، وبراين فيتزباتريك، يجدون أنفسهم الآن في عين العاصفة، فهم من جهة يحاولون حماية ناخبيهم من التبعات الاقتصادية للرسوم، ومن جهة أخرى يواجهون خطر العزل السياسي من قبل قاعدة ترمب الصلبة، وهذا المأزق يعكس هشاشة الأغلبية الجمهورية الضيقة التي يديرها رئيس المجلس مايك جونسون بصعوبة بالغة، حيث يكفي تمرد بضعة أفراد لتعطيل الأجندة التشريعية أو تمرير قرارات محرجة، مما ينذر بموسم سياسي ساخن ومليء بالمفاجآت التي قد تعيد رسم الخريطة السياسية في واشنطن.




