عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم بعد وقف إطلاق النار.. صور الأقمار الصناعية تكشف تحولات المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان - بوابة نيوز مصر
تفتح صور الأقمار الصناعية باباً واسعاً لفهم التحولات الميدانية في جنوب لبنان بعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، إذ تكشف المعطيات البصرية الدقيقة عن استمرار الأنشطة الهندسية والعسكرية في عدد من القمم الحاكمة المشرفة على الشريط الحدودي.
وتُظهر هذه الصور أن المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان لم تعد مجرد نقاط مراقبة مؤقتة أعقبت الحرب، بل تحولت إلى منشآت محصنة تتوسع تدريجياً، بما يعكس حسابات أمنية معقدة تتجاوز منطق الانتشار العابر. وبينما تؤكد إسرائيل أن وجودها يهدف إلى حماية بلداتها الشمالية، ترى الحكومة اللبنانية وقوات الأمم المتحدة أن هذا التموضع يتعارض مع قرار مجلس الأمن 1701 ومع نصوص اتفاق وقف إطلاق النار، لتبقى المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان عنواناً لصراع الإرادات السياسية والعسكرية في مرحلة ما بعد الحرب.
معطيات بصرية ترصد تحصينات متصاعدة
حسب تقرير بي بي سي نيوز عربي الصادر في 11 فبراير 2026، فإن تحليلاً زمنياً لصور التقطت بين نوفمبر 2024 ونوفمبر 2025 يُظهر استمرار أعمال البناء والتطوير في خمسة مواقع عسكرية رئيسية داخل الأراضي اللبنانية.
وأفاد التقرير بأن الجيش الإسرائيلي انسحب من بلدات وقرى الجنوب في فبراير 2025 تطبيقاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر 2024، لكنه أبقى قواته متمركزة فوق خمس تلال استراتيجية.
وتشمل هذه التلال مناطق الحمامص، الحولا، جل الدير، تلة بلاط ولبونة، حيث أظهرت الصور تحصينات ترابية، أبراج مراقبة، تجهيزات يُعتقد أنها مخصصة للاستطلاع وجمع المعلومات، إضافة إلى ظهور آليات مدرعة في بعض المواقع.
وأكد الجيش الإسرائيلي لـ بي بي سي أن هذا الانتشار ضروري لضمان أمن المدنيين في شمال إسرائيل، فيما وصفت الحكومة اللبنانية الوجود المتبقي بأنه انتهاك صريح لوقف إطلاق النار، وفق ما نقلته الشبكة البريطانية في تقريرها المفصل.
من انتشار مؤقت إلى تموضع متوسط المدى
تكشف القراءة التقنية للصور أن طبيعة الأعمال المنفذة في المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان تتجاوز مفهوم التحصين المؤقت.
فبحسب تحليل خبراء راجعوا الصور لصالح بي بي سي، فإن كثافة الأعمال الهندسية، من تدعيم السواتر الترابية إلى شق طرق عسكرية ممهدة وإقامة أبراج مراقبة ثابتة، توحي باستعداد لوجود متوسط المدى.
وأوضح الدكتور أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية كينغز كوليدج لندن، أن حجم البنية التحتية الدفاعية وأجهزة الاستشعار يشير إلى توسع منظم وليس إلى تحضير لانسحاب قريب.
كما أشارت ميغان ساتكليف، كبيرة محللي شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى أن غالبية القوات الإسرائيلية ما تزال متمركزة داخل منشآت محصنة، مع تنفيذ عمليات محدودة النطاق منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وتضيف هذه المعطيات بعداً جديداً لفهم طبيعة المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان باعتبارها جزءاً من مقاربة أمنية تسعى إلى فرض واقع ميداني طويل نسبياً.
مواقع استراتيجية تشرف على العمق الحدودي
أبعد هذه النقاط يقع في تلة الحمامص، على مسافة تقارب 1.4 كيلومتر من الخط الأزرق الذي حددته الأمم المتحدة للفصل بين لبنان وإسرائيل. وتُظهر الصور أن أعمال البناء في هذا الموقع بدأت مطلع يناير 2025، وتسارعت بصورة ملحوظة منذ يوليو من العام نفسه.
ويطل الموقع على بلدات الخيام والخربة والصليب، ما يمنحه ميزة إشرافية واسعة، فيما أشارت تحليلات بي بي سي إلى وجود أربع دبابات محاطة بسواتر ترابية شرق الموقع، فضلاً عن آثار تحركات لآليات ثقيلة في محيطه.
أما في الحولا، فقد رُصدت آليات مدرعة داخل الموقع، مع أعمال إنشاء بدأت في فبراير 2025، في نقطة تطل على مركبا والحولا. وفي لبونة، ظهرت أولى مؤشرات البناء في يناير 2025، مع مسارات تمتد عبر الخط الأزرق نحو الداخل الإسرائيلي، ما يعكس ارتباطاً لوجستياً مباشراً بين جانبي الحدود. ويقع موقعي الحولا ولبونة بالقرب من مواقع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، المعروفة بـ«يونيفيل»، التي أكدت في تصريح لبي بي سي أن هذه الأنشطة تنتهك القرار 1701 وسيادة لبنان. ورد الجيش الإسرائيلي بأنه يتخذ إجراءات لتفادي الاحتكاك مع قوات الأمم المتحدة.
وفي تلة جل الدير قرب عيترون، بدأت أعمال التحصين أوائل نوفمبر 2024، وتطور الموقع بسرعة ليضم أربعة أبراج مراقبة في زواياه الأربع، وفق تحليل الصور. كما رُصد نشاط مماثل في تلة بلاط بين ديسمبر 2024 وبداية 2025، في منطقة تقع بين مروحين وراميا.
وتؤكد هذه الوقائع أن المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان تتوزع على نقاط مرتفعة تمنحها قدرة مراقبة واسعة على القرى والطرق الحيوية في الشريط الحدودي.
مواقع إضافية ورسائل سياسية متبادلة
إلى جانب التلال الخمس، أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود موقعين أصغر حجماً قرب بلدة كفركلا بمحاذاة الجدار الفاصل على الجانب اللبناني من الخط الأزرق. ووفق تقرير بي بي سي، أُنشئ الموقع الأول بعد نحو شهر من الموعد المحدد لانسحاب القوات الإسرائيلية في 2025، فيما أُقيم الثاني بعد شهرين من الأول، من دون أن تظهر الصور وجود دبابات أو آليات ثقيلة فيهما. ويعزز هذا التطور الانطباع بأن المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان ليست ثابتة في عددها أو نطاقها، بل قابلة للتوسع تبعاً للمعادلات الأمنية.
سياسياً، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن الحزب لن يتخلى عن سلاحه ما دامت القوات الإسرائيلية باقية على القمم الخمس، معتبراً أن الحزب التزم ببنود الاتفاق عبر الانسحاب من جنوب نهر الليطاني. في المقابل، تؤكد إسرائيل أن هذه النقاط تشكل خط دفاع متقدم لحماية سكانها في الشمال. وبين الموقفين، تواصل الأمم المتحدة الدعوة إلى احترام القرار 1701 الذي نص على وقف الأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بمؤازرة اليونيفيل.
خلفية الصراع وتحديات ما بعد وقف النار
أنهى اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 ثلاثة عشر شهراً من المواجهات التي اندلعت بعد إطلاق حزب الله صواريخ على مواقع إسرائيلية عقب بدء الحرب في غزة في أكتوبر 2023، وفق ما وثقته بي بي سي.
وأسفرت تلك المواجهات عن مقتل نحو أربعة آلاف لبناني و120 إسرائيلياً، بحسب الأرقام التي أوردها التقرير. ونص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها خلال الحرب، وعلى إبعاد مقاتلي حزب الله عن جنوب الليطاني. إلا أن بقاء المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان فوق التلال الخمس خلق واقعاً ميدانياً جديداً يثير تساؤلات حول مدى اكتمال تنفيذ الاتفاق.
في المحصلة، تكشف صور الأقمار الصناعية أن المشهد في جنوب لبنان لا يقتصر على وقف لإطلاق النار، بل يشهد إعادة رسم لخطوط التماس عبر تحصينات دائمة نسبياً. وبين تأكيدات إسرائيل بأن وجودها دفاعي ومؤقت، واعتبار لبنان والأمم المتحدة ذلك خرقاً للقرار الدولي، تبقى المواقع الإسرائيلية بجنوب لبنان عاملاً ضاغطاً في معادلة الردع المتبادل.
وتعكس هذه الصور، التي حللها فريق متخصص في تقصي الحقائق باستخدام أدوات المصادر المفتوحة، كيف يمكن للبيانات البصرية أن تتحول إلى عنصر حاسم في قراءة التحولات العسكرية والسياسية في واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط حساسية.




