من أعماق الصعيد إلى عظمة الجيزة.. مصر تعيد صياغة تاريخها باكتشافات سوهاج وافتتاح المتحف الكبير
في الوقت الذي تواصل فيه الرمال المصرية البوح بأسرارها الدفينة، تتجه أنظار العالم نحو مصر ليس فقط كأرض للحضارات القديمة، بل كمنارة ثقافية تعيد تقديم تراثها بأسلوب عالمي غير مسبوق. فبينما يزيح الأثريون الغبار عن كنوز جديدة في صعيد مصر، تستعد القاهرة لتقديم أعظم تحفها في صرح عملاق، لتروي القصة المصرية من البداية وحتى الخلود.
كنز أثري في الجبل الشرقي
في كشف أثري هام بمحافظة سوهاج، وتحديداً بجبانة الحامدية في الجبل الشرقي، نجحت البعثة الأثرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في العثور على عدد ضخم من المقابر الصخرية المنحوتة في الجبل، والتي يقدر عددها بنحو 250 مقبرة. تأتي هذه الاكتشافات ضمن مشروع طموح للتوثيق والتسجيل الأثري للمقابر الصخرية بالمنطقة، حيث تمتد تواريخ هذه المقابر عبر فترات زمنية واسعة، بداية من نهاية الدولة القديمة وصولاً إلى نهاية العصر البطلمي، مما يعكس استمرارية الحياة والموت والطقوس في هذا الموقع لقرون طويلة.
وتتميز المقابر المكتشفة بتنوع طرزها المعمارية، فهي محفورة في مستويات متعددة بالجبل؛ بعضها صُمم ببئر أو عدة آبار للدفن، والبعض الآخر يعتمد على ممر منحدر ينتهي بغرفة الدفن. ومن بين النماذج اللافتة التي سلط مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الضوء عليها، مقبرة تعود لنهاية الدولة القديمة. تتكون هذه المقبرة من مدخل يقود إلى صالة عرضية، ثم ممر منحدر يؤدي لغرفة دفن صغيرة في الجنوب الشرقي، والمثير للاهتمام هو إعادة استخدام بئر هذه المقبرة في عصور لاحقة، مما يدل على تعاقب الأجيال في استخدام الجبانة.
نقوش وقرابين تحكي تفاصيل الحياة
تحمل جدران هذه المقابر ومحتوياتها تفاصيل دقيقة عن معتقدات القوم وحياتهم اليومية، إذ تحتوي المقبرة المشار إليها على باب وهمي لا تزال عليه بقايا نقوش هيروغليفية، إلى جانب مناظر تصور صاحب المقبرة وهو يذبح الأضاحي، ومشاهد لأشخاص يقدمون القرابين للمتوفى. ولم تقتصر الاكتشافات على العمارة والنقوش، بل أسفرت أعمال الحفائر عن مجموعة غنية من اللقى الأثرية.
وبحسب محمد عبد البديع، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر العليا، فقد تم العثور على العديد من الأواني الفخارية، بعضها كان للاستخدام اليومي والآخر جنائزي يُعرف باسم “الودائع الرمزية المصغرة”، وهي أوانٍ كروية صغيرة عليها بقايا طلاء أصفر. كما شملت الاكتشافات أواني صغيرة من الألباستر، وبقايا مرآة معدنية مستديرة، وعظاماً آدمية وحيوانية، بالإضافة إلى كسرات فخار (أمفورات) ترجع للعصر المتأخر، وقطع من الحجر الجيري بنقوش قد تمثل لوحات جنائزية من نهاية الأسرة السادسة. وتجسد هذه المقابر مدافن حكام وموظفي الإقليم التاسع من أقاليم مصر العليا، الذي كان مركزاً إدارياً محورياً لتوسطه بين العاصمة “منف” وأسوان، وقربه من أبيدوس مركز عبادة “أوزير”، بينما كانت أخميم عاصمة الإقليم ومعبودها الرئيسي “مين”.
المتحف المصري الكبير.. رحلة عبر الزمن
وعلى الجانب الآخر من الخريطة، وتحديداً في الجيزة، تكتمل الصورة العظيمة لتاريخ مصر مع المتحف المصري الكبير. هذا الصرح الذي استغرق التخطيط والبناء له عشرين عاماً بميزانية ضخمة، يضم ما يقرب من 50 ألف قطعة أثرية تغطي 5000 عام من التاريخ. الأرقام وحدها لا تكفي لوصف عظمة هذا المشروع الذي يُعد واحداً من أكثر المشاريع طموحاً منذ بناء الأهرامات.
عند دخول الزوار إلى المتحف، يجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام تمثال الملك رمسيس الثاني الشامخ بارتفاع 36 قدماً وعمر يناهز 3200 عام، والذي يطغى بحضوره المهيب على البهو المشمس. ومن خلال القاعات الاثنتي عشرة المفتوحة حالياً، يمكن للزائر تتبع قصة مصر بتسلسل زمني دقيق، بدءاً من عصور ما قبل الأسرات، مروراً بالدولة القديمة والوسطى والحديثة، وصولاً إلى العصر اليوناني الروماني.
إعادة تخيل التراث المصري
لا يكتفي المتحف بالعرض التقليدي، بل يقدم مسارات موضوعية تستكشف المجتمعات القديمة والمعتقدات الروحية عبر وسائط حديثة وتجهيزات صوتية ومرئية، بجانب عرض لفائف البردي وأسرة المومياوات وتماثيل المعبودات. ومن المنتظر بشغف افتتاح القاعة المخصصة للملك توت عنخ آمون، والتي ستجمع لأول مرة أكثر من 6000 قطعة من كنوزه، بما في ذلك الأواني المرمرية والمجوهرات والقناع الذهبي الشهير، منذ اكتشاف مقبرته عام 1922. كما سيضم جناح آخر يُفتتح قريباً مركبي الملك خوفو، اللذين أعيد تجميعهما ليأخذا مكانهما في جناح مكيف، ليجسدا رحلة الفرعون إلى العالم الآخر مع إله الشمس “رع”.
ولا يقتصر دور المتحف المصري الكبير على كونه مستودعاً للآثار، بل يعزز مكانة القاهرة كواحدة من عواصم السياحة الثقافية في العالم. فالمتحف يقدم تجربة عصرية متكاملة تشمل متاجر لبيع منتجات مصممين محليين، مثل المنسوجات القطنية المصرية من “ملايكة ليننز” والإكسسوارات المطعمة بالصدف، بالإضافة إلى السجاد اليدوي الفاخر، ومطاعم تقدم نكهات مصرية أصيلة مثل “زوبا”. إن زيارة هذا الصرح، كما يصفها الخبراء، هي التمهيد المثالي والضروري قبل الانطلاق لاستكشاف المعابد والكنوز في باقي أنحاء مصر، ليكون المتحف بذلك بوابة عبور بين عظمة الماضي ورفاهية الحاضر.