عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم نصنع الجرح ثم نحاكم النزيف.. جريمة الإيذاء ومسرحية الاتزان - بوابة نيوز مصر
ليست المشكلة في لاعب يرقص بعد هدف، لكن المشكلة في مدرجٍ يغلي بالكراهية ثم يدعي التحضر، وليست الأزمة في شاب أسمر البشرة يرفع صوته غاضبًا، بل في منظومة تتقن إهانته أولا، ثم تحاكم انفعاله أمام الكاميرات.
منذ سنوات وأنا أتردد على البرازيل، والآن أعيش فيها حيث يتجاور الأبيض والأسود والأسمر بلا حواجز نفسية مصطنعة، وحيث تعتبر الموسيقى لغة وطن، والرقص امتدادًا طبيعيًا للروح.
هنا، يربى الطفل على أن اختلاف البشر ثراء لا تهديد، وهنا تفهم أن الكرامة ليست شعارًا يرفع في المؤتمرات، بل ممارسة يومية في الشارع، لذلك يبدو المشهد في بعض الملاعب الأوروبية صادمًا حد الفضيحة.. لاعب يُستفَز مرارًا بسبب لونه، تلاحقه الإهانات في أكثر من مدينة، ثم حين ينهار أو يرد، يشار إليه بوصفه مستفزًا أو عصبيًا! هكذا ببساطة تتحول الضحية إلى متهم، ويتحول الألم إلى مادة للسخرية، وتختزل العنصرية في حماس جماهيري.
ما يحدث ليس خلافًا رياضيًا، إنه اختبار أخلاقي سقط فيه كثيرون، ليست العنصرية حدثًا عابرًا في مدرج، بل هي كما وصفها الفيلسوف (فرانتز فانون) عنف يمارس على الوجود ذاته، فانون تحدث عن الجسد الأسود حين يجبر على حمل عبء النظرة الاستعلائية، لا بسبب فعل اقترفه، بل بسبب هوية ولد بها. العنصرية ليست شتيمة فقط، إنها محاولة مستمرة لوضع إنسان في قفص تصنيفي، ثم مطالبته بالتصرف بهدوء داخل ذلك القفص.
حتى في الأدب اللاتيني، يكتب البرازيلي باولو كويلو: الحرية الحقيقية هي أن تكون نفسك من دون خوف، لكن ماذا يبقى من هذه الحرية حين يدفع إنسان إلى الدفاع المستمر عن حقه في أن يكون كما هو، حين يتحول لون البشرة إلى ساحة محاكمة دائمة؟ الفلسفة هنا لا تجمل الواقع بل تفضحه.
لأن السؤال لم يعد لماذا ينفعل اللاعب؟ بل لماذا نطلب من المهان أن يكون أكثر اتزانًا من مهينه؟ وهنا يكمن جوهر المأساة، نحن لا نناقش سلوكًا فرديًا بل بنية فكرية ترى الاختلاف خطرًا، ثم تتظاهر بالدهشة حين ينفجر المختلف دفاعًا عن كرامته.
هنا في البرازيل تفهم معنى أن يكون الاختلاف قوة ترى الأبيض والأسود، ولا أحد يسأل الآخر من أين أتيت، بل إلى أين نمضي معًا.. الموسيقى ليست ترفًا بل هوية، الرقص ليس استعراضًا بل تعبير طبيعي عن الفرح، الأسرة ليست علاقة دم فقط، بل شبكة حياة تمتد إلى الجيران والأصدقاء. في عطلات نهاية الأسبوع، في الأعياد الدينية، في احتفالات الدولة يتجسد معنى التعايش.
قوة البرازيل ليست في لون واحد بل في خليط الألوان، واللاعب البرازيلي قبل أن يكون مهاجمًا أو جناحًا هو إنسان ابن هذه البيئة. ما يتعرض له فينيسيوس جونيور في أوروبا ليس حادثة منفصلة في سجل رياضي، بل هو امتداد لجرح قديم عرفته الملاعب الأوروبية.
من صامويل إيتو وسولي مونتاري إلى ماريو بالوتيلي وداني ألفيش.. وجوه مختلفة لوجع واحد. نعم، قد يكون فينيسيوس مشاغبًا أحيانًا يرقص بعد الهدف ويستفز بالمهارة، وينفعل بسرعة، لكن السؤال الأعمق: هل أصبح رد الفعل هو الجريمة بينما الفعل الأصلي يُنسى؟
نؤذي الإنسان عمدا، نستفزه نكرره عليه يومًا بعد يوم، ثم حين يصرخ نقول: انظروا إليه، إنه عصبي. غير متزن. مبالغ..
في الحياة كما في الملاعب، هناك لعبة قاسية نصنع الجرح ثم ننتقد طريقة النزيف حين تتراكم الإهانات، يتحول الدفاع إلى توتر دائم حين يتكرر الاستهداف، يصبح الانفعال آلية بقاء.
فينيسيوس اليوم ليس مجرد لاعب سريع الانفعال، هو نتاج تراكمات ونتيجة أذى متكرر، ولأنه يرتدي قميص ريال مدريد الأكثر متابعة عالميًا، أصبح الضوء مسلطًا عليه أكثر من غيره.. شهرته تحميه لكنها أيضًا تجعله هدفًا، بل إن بعض الفرق باتت تدرك أن استفزازه جزء من الخطة لتحويل الألم إلى تكتيك!!
وهنا تتحول الرياضة إلى شيء آخر.. إلى مسرح يُختبر فيه صبر الإنسان قبل مهارته. يقول الفيلسوف جان بول سارتر الجحيم هو الآخرون، لكن الجحيم الحقيقي هو حين يتحول الآخر إلى قاض عليك بسبب لونك، وبالعودة إلى البرازيل، هنا تعلم البلد أبناءها أن الرقص فرح، وبعض مدرجات أوروبا تعتبره استفزازًا، البرازيل ترى اللون تنوعًا وهناك من يراه ذريعة.
هل نحن مهزومون حضاريا؟
السؤال ليس عن أوروبا فقط، السؤال عنا نحن لماذا حين نواجه عنصرية واضحة نتحدث بخجل؟ لماذا نخشى وصفها باسمها؟ هل التفوق الحضاري يُقاس بالبنية التحتية أم بكرامة الإنسان؟ الأرض ليست ملكًا لقارة واحدة، والقيم ليست حكرًا على جغرافيا من دون أخرى. هناك شعوب مثل البرازيل تحترم الإنسان لأنه إنسان، لا لأنه نسخة مطابقة لصورة مسبقة. الرياضة خُلقت لتنافس المهارات لا الألوان.
لتحتفي بالسرعة لا بالتمييز. لتجمع الشعوب لا لتصنفهم.
ما يحدث ليس حماسة جماهير، هو أذى متعمد، والأذى حين يصبح ممنهجًا يصبح ثقافة، وحين نصمت عليه نصبح شركاء فيه
الخلاصة
فينيسيوس ليس قديسًا وليس ضحية مطلقة، هو إنسان.
وإنسانيته لا تسقط لأنه رقص ولا تُلغى لأنه انفعل، ولا تُختزل في لقطة، المشكلة ليست في دمعة لاعب، المشكلة في مجتمع يضحك على دموعه ثم يشتكي من صوته العالي.
في النهاية، الملاعب ليست سوى صورة مكبرة للحياة، فإما أن نختار أن نكون بشرًا، أو نستمر في لعبة الإيذاء ثم نستنكر الألم.
وفي الختام، من حق أي مشجع يعشق قميصه أن ينتمي لألوانه، أن يدافع عن فريقه حتى آخر دقيقة. الانتماء جميل والشغف جزء من إنسانيتنا، لكن قبل أن تكون مشجعًا أنت إنسان.
وقبل أن تنتصر لفريقك عليك أن تنتصر للكرامة التعصب، لا يجب أن يعمي البصيرة، ولا أن يسلبنا قدرتنا على التمييز بين المنافسة والإهانة، بين الحماس والاحتقار.. صفّق لفريقك كما تشاء، انتقد خصمك كما تشاء، لكن لا تجعل حبك لقميص سببًا في سقوطك أخلاقيًا في النهاية. الأندية الأوروبية مهما عظمت تظل مجرد أندية، أما الإنسانية فلا تختصر في قارة ولا تُحتكر بلغة ولا تُمنح بلون، كرة القدم لعبة، أما الكرامة فليست قابلة للتفاوض.




