الوساطة "الوجودية".. محورية الجغرافيا في تعزيز الوسيط - بوابة نيوز مصر

الوساطة "الوجودية".. محورية الجغرافيا في تعزيز الوسيط - بوابة نيوز مصر
الوساطة "الوجودية".. محورية الجغرافيا في تعزيز الوسيط - بوابة نيوز مصر

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم الوساطة "الوجودية".. محورية الجغرافيا في تعزيز الوسيط - بوابة نيوز مصر

جولة تفاوضية مهمة احتضنتها سلطنة عمان، بين الولايات المتحدة وإيران، والهدف احتواء الموقف المشتعل، والذي يضع الإقليم بأسره على حافة حرب جديدة، قد تأكل الأخضر واليابس حال اندلاعها، وهو ما يضفي الكثير من الزخم للعملية التفاوضية، باعتبارها تساهم بصورة أو بأخرى في تجميد الصراع عند نقطة معينة، حتى وإن كانت متفاقمة، بحيث لا تصل إلى الحد الذي يصعب معه تحقيق السيطرة الكاملة، وهو الأمر الذي يعكس جهودا مشكورة من قبل الدولة المضيف، والوسطاء الإقليميين الأخرين، خاصة وأن الدور المنوط به الوسطاء يعد شاقا للغاية في لحظة إقليمية ودولية في غاية الحساسية، خاصة وأن الشرق الأوسط قد انتهى لتوه من معركة طويلة نسبية في غزة، استمرت لعامين، بينما امتدت جغرافيا نحو العديد من دول المنطقة الأخرى.

وبعيدا عما آلت إليه الأمور في المفاوضات، بين الولايات المتحدة وإيران، بل وصعوبة العملية التفاوضية في ذاتها، في ظل التعقيدات المصاحبة للتصعيد الحالي، يبدو التركيز على الدور الذي لعبته مسقط مهما للغاية، ليس لكونها وفرت بيئة مواتية لمحادثات مفصلية، تترتب على نتيجتها مصير منطقة جغرافية تتداخل فيها عدة قارات، وإنما في واقع الأمر على تعزيز الدور الذي يمكن للإقليم القيام به، في إدارة أزماته، وهو الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه، باعتباره نموذجا جديدا، في هذا الإطار، خاصة بعد أزمة غزة، والتي لعبت فيها القوى الإقليمية الدور الرئيسي، منذ اندلاع العدوان، وحتى وقف إطلاق النار.

والوساطة الدبلوماسية بين أطراف الصراع، لم تعد تعتمد في جوهرها على طرف واحد مؤهل، وهو ما يمثل أحد أهم المستجدات التي طرأت على دور الوسيط في إطار حل النزاعات الدولية، وإنما بات يقوم على طبقات من التكامل بين الأطراف الفاعلة في المعادلة الإقليمية، وهو ما يعكس حقيقة التكامل بين الأدوار، في الوقت الذي باتت تمثل فيه الجغرافيا عاملا فاصلا في إدارة الأزمات المرتبطة بالأقاليم، بعيدا عن سيطرة قوى بعينها على زمام المبادرة من منطلق عالمي، أو حتى محاولات بعض القوى للظهور عبر أزمات تتجاوز مناطقهم الجغرافية، استجداءً لدور أو تأثير.

والواقع أن السطور سالفة الذكر لا تعني إطلاقا إقصاء أو استبعاد قوى من خارج الجغرافيا الإقليمية في إطار احتواء الصراع المرتبط برقعة جغرافية معينة، وإنما تبقى الإدارة المباشرة للأزمة مسؤولية جغرافية في الأساس.

فلو نظرنا إلى الوساطة العمانية في إطار التصعيد الأمريكي الإيراني، نجد أن ثمة دعم مباشر من قبل العديد من قوى الإقليم الرئيسية، وهو ما يعود في الأساس إلى دبلوماسية هادئة، وقراءة متأنية للأحداث، ناهيك عن ثقة كبيرة في نزاهة الدور الذي تلعبه مسقط، إلا أن ثمة بعدا آخر، يدور في الأساس حول الجغرافيا، في ظل ارتباط مباشر بين التداعيات المترتبة على أي انفجار محتمل للأحداث، والأوضاع في منطقة الخليج، وفي القلب منها سلطنة عمان، ومنها إلى منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

هذا الارتباط بين المصلحة المباشرة للوسيط والدور المنوط به القيام به، سواء فيما يتعلق بإنهاء صراع قائم، وهو ما يبدو في الحالة المصرية في غزة، أو وأده، كما هو الحال في الموقف العماني الراهن، يعكس أن الأمور باتت تتجاوز مجرد البحث عن نفوذ، أو السعي إلى مقعد القيادة، نحو منحى وجودي، يرتبط في الأساس بحماية الدولة الوسيط ووجودها، وأوضاعها الاقتصادية وحتى حياة مواطنيها من أي خطر قد ينجم عن اشتعال الصراع والدخول في موجة جديدة من المواجهة المباشرة، وهي الحماية التي سيحظى بها إقليمها الجغرافي بالكامل حال نجاحها، خاصة وأن العالم بات أكثر قابلية للاشتعال في ضوء رغبة القوى الكبرى في فرض كلمتها، حتى يمكنها السيطرة على مقاليد الأمور، في إطار من الهيمنة المنفردة.

ولعل ما يمكننا تسميته بـ"الوساطة الوجودية" ساهمت في تعزيز الحالة الجماعية، وهو ما ينهي التنافس الذي ساد المنطقة لسنوات، في إطار مساعي القوى الإقليمية للقيام بدور الوساطة في الأزمات الكبرى، حتى البعيدة عنها، فباتت الجغرافيا هي العامل الرئيسي، إلى جانب عوامل أخرى، منها التأثير والخبرة الدبلوماسية والثقة الدولية، في اختيار الوسيط، بينما تلعب القوى الأخرى دورا داعما له، في إطار طبقات إضافية من شأنها تعزيز الدور، بهدف تحقيق مصلحة جمعية تدور في جوهرها حول الاستقرار الإقليمي، وهو ما يمثل إرهاصا مهما لنهاية الأحادية الدولية، والتي فشلت في تقديم حلول جذرية للأزمات، وإنما اكتفت بإدارتها والسيطرة على وتيرتها فقط، بهدف الحفاظ على مصالحها، والتي تتحقق باستمرار الصراع لا في إنهائه.

الفشل الدولي لم يقتصر في جوهره على مجرد العجز عن إدارة الأزمات الإقليمية الموجودة، وإنما ساهم في تفاقمها، عبر تعزيز التنافسية بحثا عن دور، في إطار ما جرت أدبيات الدبلوماسية على تسميته بـ"الدولة القائد"، وهي بحسب الرؤية القائمة على الهيمنة، ليست القادرة على فرض الاستقرار بنفسها، وإنما تبقى طرفا يحظى بثقة القوى الكبرى، فأصبحت المنافسة، من هذا المنطلق، تدور حول الكيفية التي يمكن بها استرضاء واشنطن، وليس تقديم حلول لما يشهده الإقليم من صراعات، وهو المفهوم الذي تمكنت الدولة المصرية من تقويضه، عبر تحقيق قدر من التفاعل بين الأطراف الفاعلة في مناطقها الجغرافية، بحيث يصبح التكامل فيما بينهم أساسا يمكن البناء عليه، وهو ما بدا في أزمة غزة عبر تعزيز الدور المصري، ثم في التصعيد الأخير مع إيران، عبر دعم دور مسقط، وكلاهما (مصر وسلطنة عمان) يعملان بالتنسيق مع الأطراف الأخرى دون تهميش أو إقصاء أو حتى بحثا عن مجد ذاتي أو نفوذ إضافي، وبالتالي لم يعد الدور مرتبطا بمنافسة ولكن يقوم في الأساس على التكامل. 

وهنا يمكننا القول بأن الوساطة لم تعد ترفا دبلوماسيا أو أداة لتحسين الصورة أو البحث عن دور رمزي في معادلات دولية مختلة، وإنما باتت فعلا وجوديا يرتبط بقدرة الإقليم على حماية نفسه من تداعيات صراعات تدار من خارجه، لتتحول الجغرافيا إلى دور الفاعل الأكثر اتصالا بالأزمة والأكثر التزاما بعواقبها، وبالتالي لا تمثل أدوار مصر وسلطنة عمان خروجا عن القواعد، بل إعلانا غير مباشر عن نهاية مرحلة كانت تُدار فيها الأزمات بمنطق الهيمنة، وبداية أخرى تُدار فيها بمنطق المسؤولية المشتركة، حيث لا يصبح الوسيط طرفا في الصراع، ولا متفرجًا عليه، بل خط الدفاع الأول عن استقرار الإقليم نفسه.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أولمبياد 2026: خروج الأميركية ليندساي فون بعد سقوطها في نهائي الانحدار - بوابة نيوز مصر
التالى لبنان: الانتخابات النيابية أمام تمسّك عون بالمواعيد الدستورية - بوابة نيوز مصر