«اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟ - بوابة نيوز مصر

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم «اقتصاد الحلم»... كيف تبيع السوشيال ميديا الأمل في الثراء؟ - بوابة نيوز مصر

في عالمٍ لا يتوقف فيه الإصبع عن التصفح، تبدو الشاشة كأنها نافذة مفتوحة على فرص لا تنتهي. وجوه تبتسم، قصص نجاح تُروى في دقائق، أرقام مشاهدات تتضاعف، وإعلانات تَعِد بأن الهاتف الذكي قد يكون أسرع طريق إلى الاستقلال المالي.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى السوشيال ميديا بوصفها مجرد منصات تواصل، أو أدوات نشر محتوى، بل إنها جزء من منظومة اقتصادية كاملة تقوم على ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحلم». اقتصاد لا يبيع الوظيفة، ولا الدخل، بل يبيع إمكانية النجاح نفسها، ويحوّل الاحتمال النادر إلى وعدٍ جماعي. هنا، لا تُقاس القيمة بما يُنتَج فعلياً، بل بما يُتَخيَّل أنه ممكن: فيديو قد ينتشر، حساب قد ينفجر، لحظة قد تغيّر المسار. وبينما يندفع الملايين للعمل داخل هذا الوهم المشروع، تتكدس الأرباح الحقيقية عند قلّة تملك المنصات، أو تفهم خوارزمياتها، أو سبقت الآخرين بخطوات يصعب تعويضها.

لكن خلف هذا المشهد اللامع، ثمّة اقتصاد بمليارات الدولارات، خفي، ومعقّد، ويقوم على استهلاك الزمن البشري أكثر مما يقوم على إنتاج المعنى. وما تعده المنصات بأنه طريق سريع إلى الاستقلال المالي، لم يظهر على أرض الواقع إلا باعتبار أنه رقم في شاشة لا يُترجم إلى دخل حقيقي.

هذا الاختلال لا يرتبط بجودة المحتوى وحدها، بل بطبيعة «اقتصاد الانتباه» نفسه، حيث تُكافئ الخوارزميات القلة القادرة على جذب التفاعل السريع، وتترك الغالبية تعمل تحت ضغط دائم من دون ضمانات، أو أفق واضح.

ضرورة النجاح

في شقة صغيرة في أحد أحياء غرب لندن، تجلس ناريمان م. قرب نافذة تطل على شارع رمادي لا يهدأ. تعمل مساعدة معلمة في مدرسة ابتدائية، وظيفة تحبها، لكنها بالكاد تكفي لتغطية الإيجار، وفواتير لا ترحم. في مدينة تُحسب فيها أسعار القهوة، وبطاقة القطار، والخبز بالأرقام الثقيلة، بات الدخل المتواضع عبئاً يومياً، لا فكرة مجردة. تقول لنفسها كل مساء إن عليها أن تفعل شيئاً إضافياً، أي شيء، قبل أن يبتلع الغلاء ما تبقى من طمأنينتها.

قبل أشهر، دخلت ناريمان، وهي عربية مقيمة في بريطانيا، عالم السوشيال ميديا كما يدخل كثيرون: بحذر، وبأمل صامت. فتحت حساباً على «إنستغرام»، ثم آخر على «تيك توك»، واختارت موضوعاً قريباً منها ومن الناس من حولها: الصحة اليومية، النفخة، الإمساك، التعب الذي لا يُشخَّص، والأسئلة الصغيرة التي يطرحها كثيرون، ولا يجدون لها جواباً واضحاً. ليست طبيبة، لكنها كانت تحاول أن تجمع ما تتعلمه، أن تصوغه بإرشادات مبسطة، وأن تستعين بالذكاء الاصطناعي ليهذّب النصوص، ويقترح الأفكار. اشتركت في دورات مدفوعة، دفعت من دخلها المحدود، واشترت أدوات رقمية قيل لها إنها «ضرورية للنجاح».

تمضي ناريمان ساعات طويلة بعد يوم عمل شاق. هاتفها مسند إلى كوب، ضوء خافت، نصوص تُكتب وتُمسح، فيديوهات تُعاد عشر مرات قبل أن تُنشر. تراقب الأرقام بصمت: مشاهدات قليلة، تفاعل خجول، لا شيء يشبه قصص النجاح التي تمتلئ بها المنصات. فيديو واحد فقط كسر الصمت، وصل إلى نحو عشرة آلاف مشاهدة. رقم يبدو كبيراً على الشاشة، لكنه في الواقع لم يغيّر شيئاً. لا يوجد دخل، لا عروض، لا إحساس بأن الطريق بات أوضح. مجرد ومضة، ثم عودة إلى الصفر.

تعرف ناريمان أنها لم تحقق «شيئاً بعد»، تقول الجملة بلا دراما، لكن التعب يظهر في صوتها. ومع ذلك، تستمر. كل يوم تتعلم، تقرأ، تشاهد، تحاول فهم هذا العالم الذي يبدو مفتوحاً للجميع، لكنه لا يفتح أبوابه بسهولة لأحد. هي ليست باحثة عن شهرة، ولا تحلم بالملايين، بل بدخل إضافي يحميها من قسوة مدينة لا تهادن.

«اقتصاد المبدعين»

قصتها، بكل بساطتها، تشبه قصص آلاف ممن دخلوا اقتصاد المحتوى بدافع الحاجة، لا الوهم، وهمّ لقمة العيش، ووجدوا أنفسهم في مواجهة منظومة أكبر بكثير من فيديو، وأقسى بكثير من مجرد «محاولة».

محاولة للدخول إلى «اقتصاد المبدعين» الذي يشهد نمواً هائلاً، إذ من المتوقع أن تبلغ قيمة سوقه عالمياً نحو 480 مليار دولار بحلول عام 2027، وفقاً لأبحاث «Goldman Sachs».

ويبرز هذا الاقتصاد باعتباره قوة نشطة تُحرّك النشاط الاقتصادي، والتفاعل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تُقدَّر قيمته الحالية بنحو 1.3 مليار دولار. وتشير منصة «Qoruz» لتحليلات التسويق بالمؤثرين إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تضم نحو 263000 مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بزيادة قدرها 75 في المائة منذ عام 2023.

المنصات والترندات

في المشهد الرقمي هناك منصات محددة تهيمن على اللعبة، أبرزها «YouTube» ،«TikTok» ،«Instagram» ،«Snapchat» ،«Twitch». كل واحدة لها آلياتها الخاصة في نشر المحتوى، وجذب الانتباه، وكلها تبيع الوهم نفسه: إمكانية أن يصبح أي شخص مؤثراً.

لكن شرط أن يتحول المحتوى إلى ترند (أو مادة شائعة) ليس جودة الفكرة فحسب، بل توقيت النشر، وسرعة الانتشار، والتفاعل الأولي الذي يولده ذلك المحتوى. فيديو بسيط يمكن أن يتحول إلى ترند إذا التقطه جمهور كبير في الساعات الأولى، أو دعمته خوارزمية المنصة نفسها عبر الاقتراحات، أو حصل على مشاركة واسعة من حسابات مشهورة. الفئات الأكثر انتشاراً في المنطقة العربية هي أسلوب الحياة والسفر، الموضة والجمال، الصحة واللياقة، والمال والأعمال، والفنون والترفيه، وهو ما يجعل لدى أي محتوى يلمس هذه الاهتمامات فرصة أكبر للتحول إلى ترند، حتى لو لم يكن معقداً، أو إنتاجه باهظاً.

خريطة القوة

ويصف حسين الحازمي، مؤسس ومدير شركات متخصصة في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى في السعودية، التحول الذي يشهده الإعلام العالمي بأنه «خروج كامل من عباءة النموذج التقليدي». فالمحتوى لم يعد مادة إعلامية تُنتَج ثم تُبَث، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة تُعرف اليوم بـ«اقتصاد المحتوى»، مشيراً إلى أن هذه المنظومة، وفق تقديرات مؤسسات مالية عالمية، تبلغ قيمتها نحو 250 مليار دولار على مستوى العالم، مع توقعات بأن تصل إلى 480 مليار دولار خلال عامين فقط.

ويقول الحازمي لـ«الشرق الأوسط» إن أكثر من 60 في المائة من الإنفاق الإعلاني العالمي بات يذهب إلى المنصات الرقمية، وهو ما أعاد رسم خريطة القوة داخل الصناعة الإعلامية، ونقل مركز الثقل من المؤسسات الكبرى إلى المنصات العابرة للحدود.

فضاء مزدحم

غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تعني بالضرورة أن السوق مزدهرة للجميع. فالحازمي يلفت إلى أن تشبع المحتوى، خصوصاً الترفيهي السريع، خلق وهماً واسع الانتشار بأن الفرص لا تزال مفتوحة بلا سقف. لكن الواقع، كما يراه، أكثر انتقائية. ففي هذا الفضاء المزدحم لم تعد الكثرة هي القيمة، بل النوعية، والقدرة على سد فجوة معرفية حقيقية. من هنا يبرز ما يسميه «الإعلام المعرفي» و«المحتوى المتخصص»، حيث تتحول القيمة من مطاردة الجمهور العام إلى بناء علاقة مع جمهور ضيق، لكنه واعٍ ومهتم، 10 آلاف متابع متخصص، في هذا السياق، قد يشكلون قاعدة اقتصادية أكثر صلابة من مليون متابع لا يبحثون إلا عن التسلية العابرة، على حد تعبير الحازمي.

المفوضية الأوروبية أعلنت أنها بصدد دراسة مقترح «الحزمة الرقمية الشاملة»... (متداولة)

هذا التحليل الاقتصادي يتقاطع، لكنه يختلف في زاويته مع قراءة الدكتور سعيد الدحية الزهراني، أستاذ الإعلام والاتصال الرقمي، الذي ينظر إلى المشهد من منظور فلسفي أعمق. فبرأيه توصيف ما يحدث بأنه «اقتصاد محتوى» يظل قاصراً عن فهم جوهر التحول. ويقول الزهراني لـ«الشرق الأوسط» إن «المنصات لا تتاجر بالمحتوى ذاته، بل بزمن الوعي الإنساني. هي لا تسأل: ماذا نعرض؟ بل: كم دقيقة إضافية يمكن أن نبقي المستخدم داخل المنصة؟».

يستند الزهراني في تفسيره إلى ما يسميه «فلسفة السيولة» في الحضارة الرقمية، حيث لم يعد الزمن يتراكم، بل يتفتت إلى لحظات منفصلة، ولم تعد الهوية ثابتة، بل قابلة لإعادة التشكيل وفق السياق الرقمي، ولم يعد المعنى مستقراً، بل أصبح مجموعة سرديات متنافسة. ضمن هذه السيولة تتحول القيمة من العمق إلى السرعة، ومن الأثر طويل المدى إلى التفاعل اللحظي. وهنا تلعب الخوارزميات دور الوسيط السوقي الذي يعيد توزيع الرؤية وفق منطق الأرقام لا المعاني.

«بورصات رمزية»

في هذه السوق عالية السيولة، كما يصف الزهراني، لم تعد المنصات ساحات خطاب عام، بل «بورصات رمزية»، تُتداول فيها الصور، والآراء، والمشاعر باعتبار أنها أصول مؤقتة، منخفضة العمر الافتراضي، وقابلة للاستبدال فوراً. ويترتب على ذلك تحول عميق في طبيعة إنتاج المحتوى نفسه، حيث لم يعد ما يُنتَج هو ما يُعتقد بقيمته، أو صحته، بل ما يُرجَّح أداؤه رقمياً. الفكرة تُجزَّأ، والسياق يُقتطع، والمعنى يُضغط ليصبح قابلاً للاستهلاك السريع.

وسط هذا المشهد، يبدو أن صانع المحتوى لم يعد يعرض فكره، بل يعيد تصميم ذاته. الذات هنا تتحول إلى واجهة استهلاكية، وإلى علامة تجارية قائمة بذاتها. وهذا ما يقود، وفق الزهراني، إلى معضلة فلسفية عميقة تتعلق بتشيئة الإنسان، وسلعنته داخل منظومة رقمية لا تعترف بالثبات، ولا بالمعنى المستقر.

تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)

سوق تنافسية قاسية

هذه القراءة الفلسفية تجد صداها في الواقع الاقتصادي الذي يصفه الدكتور سعود الغربي، أستاذ الإعلام ومؤسس «جمعية إعلاميون» السعودية بأنه «قاسٍ». فمن موقعه الأكاديمي والمهني يرى الغربي، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، أن السوشيال ميديا يمكن أن تكون مصدراً حقيقياً للدخل، لكنها ليست طريقاً ممهداً، ولا متاحاً للجميع. في السعودية، كما يقول، هناك نماذج واقعية لأشخاص تركوا وظائفهم، أو عوّضهم الفضاء الرقمي عن تعثر مهني، بل إن بعضهم تحولوا إلى رجال أعمال. غير أن هذه القصص، في رأيه، تُقدَّم غالباً بوصفها القاعدة، بينما هي في الحقيقة الاستثناء.

الغربي يلفت إلى أن المنصات نفسها تروّج لخطاب «النجاح السريع»، لأنه يخدم اقتصاد الانتباه، ويغذي تدفق المحتوى المجاني. لكن الواقع يعتمد على استمرارية طويلة، وتخصص واضح، وفهم عميق للسوق الإعلانية. الغالبية، كما يوضح، تعمل لفترات طويلة بلا مقابل فعلي، ومعظم الحسابات لا تصل إلى مرحلة الدخل المستقر. هنا لا يكون الفشل نتيجة ضعف فردي بالضرورة، بل هو انعكاس لطبيعة سوق تنافسية قاسية.

هذا التفاوت في العوائد يفسّره الغربي بما يُعرف اقتصادياً بـ«تأثير النجم»، حيث يستحوذ القليل على معظم الأرباح. فالانتباه مورد نادر، والخوارزميات تميل إلى تعزيز من يملك جمهوراً واسعاً سلفاً. وفي السوق السعودية، كما في غيرها، تفضّل العلامات التجارية الأسماء المعروفة، لأنها أقل مخاطرة، ما يكرّس تركّز الأرباح، ويحدّ من فرص الصاعدين. إنه نموذج غير صحي بالكامل، لأنه يقلل التنوع، ويضعف فرص الابتكار، لكنه في الوقت ذاته انعكاس طبيعي لسوق تحكمها البيانات، لا المعايير المهنية.

سلطة الخوارزميات

وهذا ما يؤكده الحازمي، الذي يتجنب الحديث عما يحققه من مداخيل من هذه «الصناعة»، ويقول: الإحصاءات تشير إلى أن أعلى 4 في المائة فقط من صناع المحتوى يحققون دخلاً يتجاوز 100 ألف دولار سنوياً. دورة حياة المشروع الإعلامي الشخصي تتطلب «فترة حضانة» بين 18 إلى 24 شهراً للوصول إلى نقطة التعادل، مما ينفي فكرة الثراء السريع، ويؤكد ضرورة التعامل مع الصناعة بعقلية «المؤسسة».

وفي قلب هذا النموذج، تقف الخوارزميات بوصفها السلطة الأعلى. فهي، كما يقول الغربي، «رئيس التحرير الخفي» الذي لا يكافئ الجودة وحدها، بل ما يحقق تفاعلاً سريعاً، ويبقي المستخدم أطول وقت ممكن. وهذا ما يجعل المنافسة ممكنة نظرياً، لكنها شديدة الصعوبة عملياً لمن لا يملك رأسمال اجتماعياً، أو شبكة علاقات، أو دعماً تسويقياً.

ومع تسارع التطور التقني، يلوح عامل جديد يزيد المشهد تعقيداً: الذكاء الاصطناعي. يحذّر الحازمي من أن القطاع يقف على أعتاب «زلزال تقني» حقيقي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفض تكاليف إنتاج المحتوى بنسبة تصل إلى 50 في المائة. هذا الانخفاض سيغرق السوق بمحتوى متوسط الجودة، ويجعل التميز أصعب.

عملة بتكوين مطلية بالذهب موضوعة فوق شاشة هاتف ذكي يعرض السعر الحالي للعملة وخيارات البيع والشراء عبر تطبيق منصة التداول الرقمية كوينبيس (أ ف ب)

المخاطر الخفية

في هذه المرحلة المليئة بالتحديات، يرى الحازمي أن البقاء سيكون لمن يملك القدرة على تقديم تحليل عميق، وبصمة بشرية لا تستطيع الآلة محاكاتها، مع استخدام الذكاء الاصطناعي أداة داعمة، لا بديلاً كاملاً، لافتاً إلى أن التحديات تشمل «ديكتاتورية الخوارزميات»، وتشبع السوق التي تضم أكثر من 200 مليون صانع محتوى حول العالم، بالإضافة إلى تغير سلوك الجمهور بسرعة قياسية. كما يعد الضغط النفسي (Burnout) من أبرز المخاطر الخفية للمهنة؛ نتيجة ضرورة الحضور الدائم، ومواكبة الأحداث، والتقنيات المتسارعة.

ويؤكد الحازمي أن السوق السعودية تشهد طفرة هائلة مدعومة ببرامج وطنية، مثل «Ignite»، تهدف إلى تحويل صناع المحتوى من أفراد إلى شركات صغيرة، ومتوسطة (SMEs). ننصح الشباب بالدخول في هذا المجال بعقلية «المشروع» الاستثماري، مع التركيز على القدرة على تحويل الانتباه إلى قيمة ملموسة (Conversion Rate)، بدلاً من الاكتفاء بأرقام المشاهدات.

وهنا يقول الغربي إن «الاستدامة تتحقق عند توفر أربعة شروط: تخصص واضح، نموذج دخل متنوع (إعلانات، منتجات، خدمات)، انتظام طويل المدى، وبناء ثقة حقيقية مع الجمهور. في السعودية المستفيدون الحقيقيون ليسوا فقط صناع المحتوى الكبار، بل المنصات نفسها، وشركات الإعلان، والبراندات التي تستثمر في اقتصاد التأثير. أما صانع المحتوى الفرد فهو الحلقة الأضعف ما لم يتحول من «صانع ترند» إلى «مشروع إعلامي صغير». السوشيال ميديا قد تكون مصدر دخل، لكنها نادراً ما تكون أماناً وظيفياً. الواقعية هنا تعني التعامل معها باعتبارها أداة ضمن منظومة، وليس أنها حلم مستقل بذاته».

من يملك المحتوى؟

لكن بينما ينشغل صناع المحتوى بملاحقة الخوارزميات، وموجات التقنية، يبرز سؤال قانوني لا يقل أهمية: من يملك المحتوى فعلياً؟ هنا يوضح المحامي أحمد الفاضل، المتخصص في حقوق الملكية الفكرية، أن صانع المحتوى يظل المالك الأصلي لأعماله من حيث المبدأ. غير أن شروط الاستخدام التي توافق عليها المنصات تمنحها تراخيص واسعة جداً، تتيح لها استخدام المحتوى، وعرضه، وتعديله، وترخيصه من الباطن، بل واستغلاله تجارياً دون أي مقابل إضافي.

ويقول الفاضل، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الوضع يخلق مفارقة قانونية واضحة: أنت تملك المحتوى، لكنك لست المالك الوحيد القادر على الاستفادة منه. ورغم وجود قوانين حماية في السعودية، ودول عربية أخرى، ومعاهدات دولية تنظم حقوق المؤلف، فإن إنفاذ هذه القوانين في البيئة الرقمية يظل ضعيفاً. الإجراءات طويلة، ومكلفة، وتحديد هوية المنتهكين غالباً ما يكون صعباً، ما يدفع معظم صناع المحتوى إلى الاكتفاء بآليات الإبلاغ الداخلية للمنصات.

وتتضاعف هذه الهشاشة حين يُغلق حساب فجأة، أو يُقيَّد وصوله بما يُعرف بـ«الحظر الخفي».

ويلفت الفاضل إلى سابقة قضائية في السعودية: في سبتمبر (أيلول) 2025، فرضت الهيئة السعودية للملكية الفكرية غرامة قدرها 9000 ريال سعودي على شخص قام بتعديل صورة شخص آخر باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونشرها دون إذن.

هذه القضية تعتبر خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها لا تزال حالة نادرة. في معظم الحالات، يضطر صناع المحتوى إلى الاعتماد على آليات الإبلاغ الداخلية للمنصات، والتي قد لا تكون فعالة دائماً.

ويضيف: القانون يوفر حماية نظرية قوية، لكن التطبيق العملي لا يزال ضعيفاً. صناع المحتوى بحاجة إلى أدوات أكثر فعالية لإنفاذ حقوقهم.

ففي معظم الدول العربية لا توجد تشريعات واضحة تنظم هذا النوع من القرارات، ما يجعل المنصات الخصم والحكم في آنٍ واحد. وعلى عكس التجربة الأوروبية التي بدأت تفرض على المنصات قدراً من الشفافية، والمساءلة، لا يزال صناع المحتوى في المنطقة العربية تحت رحمة سياسات متقلبة لا توفر أي ضمان للاستقرار.

بريق الأرقام

في نهاية المطاف تتقاطع كل هذه الخيوط عند سؤال واحد: هل يعيش صناع المحتوى وهْم «العمل الحر»؟ اقتصاد عالمي يُتوقع أن يصل إلى 480 مليار دولار، ويضم مئات الآلاف في الخليج وحده، لا يزال يتعامل مع هؤلاء بوصفهم «مستخدمين» لا «عمالاً». لا عقود، لا حد أدنى للأجور، لا تأمين صحي، ولا حماية من الفصل الرقمي المفاجئ. الفرد هنا هو العلامة التجارية، وهو الوسيط، وهو المنتج، وهو رأس المال، وهو الخاسر الأول عند أي خلل في الخوارزمية.

بين بريق الأرقام وسطوة المنصات يتضح أن صناعة المحتوى ليست مجرد مساحة مفتوحة للإبداع، بل منظومة قوة غير متوازنة تضع الإنسان أمام اختبار يومي: كيف يحافظ على معناه، وكرامته المهنية، وحقه في الاستقرار، داخل سوق لا تعترف إلا باللحظة؟

في نهاية اليوم، تعود ناريمان إلى شقتها نفسها في لندن. الهاتف في يدها، الفيديو الأخير منشور، والأرقام تتحرك ببطء. تعرف الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن ما تمر به ليس فشلاً شخصياً، بل هو جزء من منظومة لا تكافئ الجميع، ولا تعترف إلا باللحظة. ومع ذلك لا تزال تحاول. ليس لأنها تؤمن بوعد الشهرة، بل لأنها، مثل كثيرين غيرها، تحاول فقط أن تحمي نفسها من غلاء لا يرحم. قصتها، بعد كل هذا، لم تعد مجرد محاولة فردية، بل هي مرآة لاقتصاد كامل، يُقال فيه إن الفرص متاحة للجميع، بينما الواقع يثبت أن البقاء فيه ليس للأكثر اجتهاداً دائماً، بل للأكثر توافقاً مع خوارزمية لا ترى الإنسان... بل زمنه فقط.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق دراسة تربط بين الاعتماد على تطبيقات محادثة الذكاء الاصطناعي والاكتئاب - بوابة نيوز مصر
التالى تعرف على سعر الدولار فى البنوك المصرية اليوم الأحد 1-2-2026 - بوابة نيوز مصر