عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم منال الشرقاوي تكتب: عين سحرية - بوابة نيوز مصر
يبدأ مسلسل «عين سحرية» بسؤال عن الرؤية، فمن يملك حق النظر، ومن يدفع ثمنه؟ في هذا المسلسل تبدو الشاشة كأنها غرفة مراقبة، تصحب المتفرج بوصفه شاهدًا على الأحداث. ينطلق المسلسل من فرضية درامية تقوم على شاب اسمه عادل يعمل في تركيب كاميرات المراقبة، ثم يدفعه الضغط المادي إلى خيارات تضعه داخل شبكة تهديد وابتزاز مرتبطة بمحام له نفوذ ومافيا دوائية، فيتحول مسار حياته إلى اختبار متصل بين الخوف والقرار.
ثم تأتي الحكاية محمولة على رؤية صناعية واضحة؛ فالمسلسل من إخراج سدير مسعود، وتأليف هشام هلال، وتتولى إدارة الصورة عدسة مدير التصوير أحمد جبر. هذا الثلاثي يمنح الرؤية وضعًا مزدوجًا، فتظل موضوعًا داخل الدراما، وتتحول في الوقت نفسه إلى بنية بصرية تحكم بناء اللقطة.
قراءة العمل تفتح بابًا يتجاوز الحكاية نحو قراءة الصورة، لأن اللغة الإخراجية تتعامل مع الرؤية بوصفها موضوعًا وبنية في الوقت نفسه. هنا يصبح الميزانسين (Mise-en-scene) نقطة ارتكاز لتوزيع الأجساد، وخطوط الديكور، وهندسة الضوء، وموضع الإكسسوار، والألوان، ثم علاقة كل ذلك بالحركة داخل الكادر. ما يلفتني أن التكوين لا يميل إلى اللقطة المفتوحة الحرة، فقد فضل المخرج نظامًا هندسيًا صارمًا؛ ليذكرك طوال الوقت بأن الشخصية تتحرك داخل شبكة.
أوضح تجليات هذا النظام تظهر في هوس المربعات، ما بين مربعات كبيرة وصغيرة، وكادرات مقسومة، وإطارات داخل إطارات، وتقسيمات تحاكي منطق شاشات المراقبة متعددة النوافذ. التحليل هنا يستفيد من مفاهيم مثل Frame within Frame، وSplit Frame، وCompositional Grid، حيث يتعامل الكادر مع الجدار والباب والشباك باعتبارها خطوط رسم تفرض على الجسد قيودًا، وتعيد تعريف المسافة بين الشخصية والعالم. وينتج انزياح الجسد داخل التكوين مركزًا بصريًا طرفيًا، فتغدو المساحة المقابلة حيزًا دلاليًا مشفرًا، تتودع فيه علامات دقيقة تستعاد لاحقًا داخل مسار القراءة.
ضمن هذا النسق، تبرز لقطة الغرفة المقسومة بين مساحة عادل ومساحة أمه، مع اختلاف تفصيلة واحدة تعيد كتابة المعنى. الشباك يظهر مفتوحًا في مرة، ثم يعود التكوين نفسه في لحظة لاحقة والشباك مغلق بعد وفاتها. الفارق الصغير يتحول إلى موتيف يعمل عبر الذاكرة، ويعيد تعريف المكان؛ فالهواء الذي كان يعبر يصبح غائبًا، والاتصال الذي كان ممكنًا يتحول إلى انقطاع. هنا تتأكد قيمة «إعادة التكوين» بوصفها استراتيجية سردية، حيث تعمل اللقطة كمرجع بصري داخل النص، وتكسب قوة من المقارنة الصامتة.
لقطة «التكعيبة» فوق السطح تذهب إلى مستوى آخر من الدلالة، لأن الخلفية العمرانية تظهر بكثافة تضخم المدينة إلى حد يجعلها تقترب من ابتلاع الجسد. هذا النوع من التكوين يستثمر المنظور والعمق بوصفهما أداة سيكولوجية، فالعمارات في الخلفية تتحول إلى كتلة ضاغطة، وتتحول السماء إلى هامش صغير، فيتولد إحساس بالاختناق الاجتماعي والاقتصادي. القراءة هنا يمكن أن تستدعي مفهوم «المدينة بوصفها فاعلًا» داخل السرد، حيث يتحول المكان من إطار محايد إلى قوة تفرض مزاجًا وقانونًا على الشخصية.
يعمل الضوء في عين سحرية بوصفه نظام ترميز بصري يشتبك مع السرد، عبر إضاءة منخفضة المفتاح (Low-key) وتباين مرتفع يقرب المشهد من منطق التشكيل بالتضاد الذي يحول الظل إلى حامل دلالة. وتتضح بصمة مدير التصوير هنا في تفضيل التقطيع الضوئي داخل الكادر، بحيث تتحول مصادر الإضاءة اليومية إلى خطوط تقسيم تنتج هندسة احتجاز قبل أن تنتج جماليات شكلية.
مصادر الضوء داخل العالم الدرامي، مثل الشباك واللمبات وانعكاسات الإضاءة، تنتج خطوطًا حادة تقسم السطح البصري إلى وحدات، وتفعل إحساس الاحتجاز عبر تقسيم داخلي للكادر. ويتحول اللون إلى شفرة مرافقة للحركة الدرامية، حيث يظهر التشفير اللوني في تكرار طيف الأزرق والأحمر كعلامة على حضور السلطة والتهديد، ثم يعاد تدوير الطيف نفسه داخل عناصر “محايدة”، فينتقل التوتر من المجال الخارجي إلى المجال النفسي عبر مونتاج ترابطي يعتمد على قافية لونية ومضاهاة شكلية، فتغدو القطوعات انتقالات حالة بقدر ما هي انتقالات مكان.
الأداء يتعامل مع هذه الهندسة بذكاء. عصام عمر يقدم عادل بجسد يمر عبر تردد ثم صلابة تدريجية، مع اعتماد واضح على اقتصاد الحركة وعلى العين بوصفها مركز توتر. وفي المقابل يحضر باسم سمرة بدور زكي غالب عبر تحكم في الإيقاع، يظهر في سكون محسوب، جملة قصيرة، ثم فعل يغير ميزان المشهد. هذا التباين يصنع ثنائية تمثيلية تقوم على Proxemics المسافة بين الشخصيتين، وتوزيع القوة داخل الغرفة، وكيف يتحول الاقتراب أو الابتعاد إلى علامة على السيطرة أو الانكشاف. قائمة الممثلين تضم أيضًا سما إبراهيم، محمد علاء، عمر الشريف، أحمد بيلا، ولاء الشريف، رضا إدريس، رباب ممتاز، چنى الأشقر، سعيد سالمان، فاتن سعيد، وفرح (فيدرا) وغيرهم، ضمن بناء يعتمد على تعدد الوجوه داخل الشبكة الدرامية.
الهوية السمعية تضيف طبقة لا تقل أهمية. فموسيقى خالد الكمار تعمل كحقل توتر يسبق الحدث أحيانًا ويلحقه أحيانًا أخرى، وتشتغل عبر مساحات Non-diegetic ترفع حرارة المشهد من غير دفعه إلى خطابية. ومع التتر بصوت ويجز، تدخل طبقة لغوية مكثفة تقارب مزاج العمل وتوتره الأخلاقي، وتمنح البداية طاقة اعتراف تحمل نوعًا من القسوة. في لحظات بعينها يبرزAcousmatic Sound ليكون صوت له أثر واضح بينما مصدره خارج الصورة، فيتسع شعور المراقبة، ويتحول السمع إلى امتداد للعين.
ويبقى سؤال الأخلاق حاضرًا خلف كل هذه الحرفية؛ نظام النظر نفسه يورط المشاهد داخل علاقة معقدة بين كشف الفساد وبين غواية التلصص. الكادر المقسم والمربع الكبير والصغير لا يشرح هذه المعضلة، لكنه يضعها في جسد الصورة. وعندما تظل العلامة في خدمة مسار الشخصية، يتحول هذا النظام إلى درس بصري في كيفية تحويل الموضوع إلى لغة. وعندما تتكاثف العلامات، يقترب العمل من اختبار دقيق بين الأسلوب وبين السرد، اختبار يقاس بقدرة اللقطة على أن تضيف معنى وتترك للمشهد مساحة كي يتنفس. في النهاية يثبت «عين سحرية» أن الرؤية تحمل مسؤولية، وأن الكادر حين يحكم إغلاقه لا يكتفي بالمراقبة؛ إذ يدفع المشاهد إلى مساءلة ما يراه.




