د. محمد بشاري يكتب: في صيانة العقيدة من صناعة الوهم - بوابة نيوز مصر

د. محمد بشاري يكتب: في صيانة العقيدة من صناعة الوهم - بوابة نيوز مصر
د. محمد بشاري يكتب: في صيانة العقيدة من صناعة الوهم - بوابة نيوز مصر

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم د. محمد بشاري يكتب: في صيانة العقيدة من صناعة الوهم - بوابة نيوز مصر

اعلم ـ وفّقك الله للإنصاف ـ أنّ الدِّين إذا انفصل بعضُه عن بعض، اختلّ ميزانه، وتحوّل من نورٍ هادٍ إلى ظلٍّ متنازع. وإنما استقام أمر المسلمين في آفاق إفريقيا الغربية يوم اجتمع لهم فقهٌ يضبط الجوارح، وعقيدةٌ تُنزّه الخالق، وسلوكٌ يُزكّي الباطن. فكان الفقه حافظًا للنظام، والعقيدة حارسةً للتوحيد، والتزكية رقيًّا في مراتب الإحسان. بهذا التآلف عاشوا قرونًا على اعتدالٍ واتزان.

وليس خافيًا على من نظر في أحوال الناس أنّ أعظم الفتن ما كان مبدؤه فساد التصور. فإنّ من أخطأ في تصور الإله، اضطربت عنده سائر المعاني. ولذلك كان التنزيه أصل الأصول؛ إذ هو تنقية الاعتقاد من شوائب التشبيه، وحفظ جناب الربوبية عن إسقاطات الحسّ. فإذا قيل: إنّ الله ليس كمثله شيء، فليس المراد تعطيل الصفات، بل صونها عن مشابهة المخلوقات. فاليد والوجه والاستواء ألفاظ حقّ، غير أنّ معانيها في حقّ الخالق ليست على حدّ ما يُدرَك في حقّ المخلوق. ومن قاس الغيب على الشهادة فقد ضيّق واسعًا، وأدخل في التوحيد ما ليس منه.

غير أنّ أقوامًا لم يُحسنوا فهم هذا المسلك، أو لم يُرِد بعضهم إحسان الفهم، فصوّروا التنزيه في صورة الجحود، وألبسوا على العامة ثوب الخوف، وقالوا: “أتُنكر ما أثبته الله لنفسه؟”. فانتقل النزاع من بحثٍ في كيفية الفهم إلى اتهامٍ في أصل الإيمان. وهنا تنشأ صناعة الوهم؛ إذ يُستبدل البرهان بالإثارة، ويُغلق باب النظر بحجاب الاتهام.

واعلم أنّ النفس تميل إلى المحسوس، وتألف ما يتخيّله الذهن في صورةٍ أو هيئة. فإذا دُعيت إلى إلهٍ متعالٍ عن الجهة والحيّز، احتاجت إلى مجاهدة فكرية، وإلى تربيةٍ على التجرّد من أسر الصورة. أمّا إذا قُرّبت إليها المعاني في قالبٍ حسيّ، استراحت وإن لم تُصب. فليس كل ما تستريح إليه النفس حقًّا، ولا كل ما شقّ عليها باطلًا. إنما الحق ما قام عليه الدليل، وسلِم من التناقض، ووافق نصوص الوحي في كليّاتها.

ومن دقائق التلبيس أن يُقال للناس: “العقيدة أمرٌ بسيط، يفهمه العامي بلا بحث ولا نظر، وكل تعمّقٍ فيها خروجٌ عن الفطرة”. وهذا قولٌ ظاهره اليسر وباطنه التهوين من شأن العلم. فإنّ التوحيد سرٌّ عظيم، به قوام الدِّين، ولا يُصان إلا بضبطٍ وتحرير. وليس طلب الدليل تعقيدًا، بل هو امتثالٌ لأمر الله في النظر والاعتبار. ومن جعل الجهل فضيلةً فقد جعل العمى بصيرة.

ثم إنّ من أشدّ ما يُفسد القلوب دعوى الاحتكار، بأن يُغرس في النفوس أنّها وحدها على الحق، وأنّ جمهور الأمة على ضلال. فإنّ هذا الشعور يُغلق باب المراجعة، ويجعل المخالف خصمًا في الدين لا شريكًا في طلب الحقيقة. والحقّ أوسع من أن يُحبس في دعوى، وأجلّ من أن يُختزل في شعار.

إنّ ما استقرّ في بلاد إفريقيا الغربية من منهجٍ يجمع بين فقهٍ منضبط، وتنزيهٍ راسخ، وتزكيةٍ صادقة، لم يكن وليد مصادفة، بل ثمرة قرونٍ من التعليم والتربية. وقد أثمر مجتمعًا حافظ على دينه، واحتمل تنوّع أعراقه وثقافاته، من غير أن ينزلق إلى تشبيهٍ ولا إلى تعطيل.

فليحذر العاقل من صناعة الوهم، فإنها لا تقوم على إبطال دليلٍ بدليل، بل على تحريك عاطفةٍ وإسكات عقل. وليعلم أنّ تعظيم الله حقّ التعظيم إنما يكون برفعه عن حدود الأجسام، وعن قيود المكان، وعن مشابهة الحوادث. فمن نزّهه فقد عظّمه، ومن قاسه على خلقه فقد حطّ من جلاله وهو لا يشعر.

والله يهدي من طلب الحق بقلبٍ سليم، لا يُسلّم قياده لخيالٍ يطلب صورة، ولا لنفسٍ تطلب غلبة، بل لعقلٍ يبتغي وجه الله في صفاء الاعتقاد وحسن الاتباع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق والدها سحب منها الهاتف.. كواليس إنهاء طالبة ثانوي حياتها بـ سم فئران - بوابة نيوز مصر
التالى رئيس الوزراء يترأس أول اجتماع للحكومة بتشكيلها الجديد.. اليوم - بوابة نيوز مصر