عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن الإفريقي.. من إدارة الأزمات إلى صياغة أمن القارة - بوابة نيوز مصر
تأتي رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي خلال فبراير 2026 في لحظة مفصلية تمر بها القارة، حيث تتقاطع النزاعات المسلحة مع أزمات المناخ والغذاء والتحولات السياسية غير المستقرة، ولا تقتصر دلالة هذه الرئاسة على بعدها البروتوكولي، بل تعكس انتقال القاهرة إلى موقع الفاعل الرئيسي في هندسة مقاربات الأمن الإفريقي الشامل.
فالقارة اليوم تواجه منظومة تهديدات مركبة؛ من الحرب في السودان إلى تعقيدات الصومال، مروراً بمنطقة الساحل وشرق الكونغو، وصولاً إلى تداعيات التغير المناخي على الموارد الطبيعية والاستقرار المجتمعي.. وفي هذا السياق، تصبح رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن تأكيدا عملياً لقدرتها على الربط بين الأمن والسياسة والتنمية في رؤية واحدة.
ويمثل الملف السوداني محور التحرك المصري داخل المجلس، فالقاهرة لا تتحرك من منطلق الجوار الجغرافي فقط، بل من فهم استراتيجي بأن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الإفريقي والعربي معاً، واستضافة مصر لاجتماع "الخماسية" المعنية بجهود السلام يعكس تحولها إلى منصة تنسيق إقليمية تجمع الاتحاد الإفريقي، وإيجاد، والأمم المتحدة، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي تحت قيادة إفريقية.
والرهان المصري هنا لا يقوم على إدارة الصراع بل على تفكيكه عبر دعم مسار سياسي سوداني شامل، وتوحيد المبادرات الدولية التي كثيراً ما تعاني من التشتت والتنافس.. لذلك، فإن دفع القاهرة نحو مزيد من التناغم بين المسارين الإنساني والسياسي يمثل محاولة لإعادة تعريف الوساطة الإفريقية من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.
أما في الصومال، فتبرز مقاربة مختلفة تتعامل مع الأمن باعتباره مسألة استدامة مؤسسية لا مجرد عمليات عسكرية، فبعثة الاتحاد الإفريقي تواجه أزمة تمويل وتشغيل تهدد قدرتها على الاستمرار، ومن هنا يظهر الدور المصري في الدفع نحو حلول استراتيجية تضمن التمويل، وتعيد بناء الثقة بين المانحين والاتحاد الإفريقي، بما يحافظ على المكاسب الأمنية التي تحققت ضد الجماعات المتطرفة.
والرهان المصري في هذا الملف يقوم على تثبيت فكرة أن الأمن الإفريقي لا يمكن أن يظل رهينة قرارات خارجية، بل يجب أن يمتلك آليات تمويل مستقلة وإرادة سياسية موحدة.
ومن أهم ما يميز الرئاسة المصرية، إدراج قضايا المناخ والأمن الغذائي ضمن جدول أعمال مجلس السلم والأمن، وهذه المقاربة تمثل نقلة نوعية في التفكير الإفريقي؛ فالصراعات الحديثة لم تعد تنشأ فقط عن السياسة والسلاح، بل عن ندرة المياه وتراجع الأراضي الزراعية، والهجرة القسرية، وتفكك المجتمعات الريفية.
ومن خلال جلسات المناخ والغذاء، تسعى مصر إلى ترسيخ مفهوم "الأمن الإنساني الإفريقي"، الذي يربط بين الاستقرار والتنمية والعدالة المناخية، ويمنح القارة صوتاً موحداً في مفاوضات التمويل المناخي الدولية.
وتولي القاهرة اهتماماً خاصاً بملف الدول الإفريقية التي تمر بمراحل انتقال سياسي بعد تغييرات غير دستورية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة الحكومات، بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.. ومن هنا، تسعى الرئاسة المصرية إلى دفع المجلس للانتقال من سياسة العقوبات إلى سياسة المرافقة السياسية، التي توازن بين احترام الشرعية ودعم الاستقرار الواقعي.
وفي المحصلة، تعكس رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن الإفريقي تحولاً في وظيفة القاهرة داخل القارة: من دولة ذات حضور تقليدي إلى قوة تنظيمية تسهم في صياغة أجندة الأمن الإفريقي نفسها، فمصر لا تدير ملفات منفصلة، بل تحاول بناء رؤية شاملة تربط بين السياسة والأمن والتنمية والمناخ والغذاء.
وهنا تكمن أهمية هذه الرئاسة؛ فهي ليست مجرد إدارة شهرية لأعمال المجلس، بل فرصة لإعادة طرح سؤال مركزي: كيف تصنع أفريقيا أمنها بقرار إفريقي؟.. وفي هذا المسار، تبدو القاهرة مؤهلة للعب دور "العقل المنسق"، الذي يجمع بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي لبناء قارة أكثر استقراراً.




