عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم ياسر حمدي يكتب: إيران.. «عدو عدوي حبيبي»!! - بوابة نيوز مصر
يقول جان بول سارتر: «حين يحتكر طرف ما تعريف الخير والشر، يتحول العالم إلى محكمة بلا دفاع»، هذا ما يحدث اليوم في الخطاب السائد: تُعرَّف إيران بوصفها الشرّ المطلق، وتُختزل سياساتها في صورة نمطية، فيما تُمنح إسرائيل حقّ تفسير كل فعل بوصفه دفاعًا عن النفس!!.
الآن وبعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران ورد الأخيرة على الهجوم أرى عدد من السادة السياسيين والإعلاميين والصحفيين ومشاهير مصر، وأعلم جيدًا أن حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع، وكل شخص حر في رأيه ومسؤول عنه، لكن للأسف ارائهم تجاه إيران والحرب المشتعلة في المنطقة تخدم الشيطان الأكبر - الكيان الصهيوني - الذي يحرق الشرق الأوسط ويحاول السيطرة عليه، هذه الآراء خيانة للعروبة والدم المصري.
الزملاء الأعزاء من ساسة ومشاهير المجتمع المصري رأيي قد يكون صواب يحتمل الخطأ لكنه مبني على نظرية «عدو عدو حبيبي»، وعدونا واحد - إسرائيل - ومعلوم للجميع، أو أنكم ترون غير ذلك! لذا فإن شيطنة إيران - الآن - تطبيع فكري مع الصهاينة يرتقي لكونه عمالة في بعض الحالات، وأي خلط متعمد بين إيران وإسرائيل بهتانًا وزورا، وليس فقط ساقطة أخلاقية لكنه جريمة وخيانة للدم المصري والعربي وسقوط سياسيي: دولة محتلة منفلتة تملك سلاحًا نوويًا خارج أي رقابة، وتمارس الإبادة علنًا، لا تُقارن بدولة تختلف معها أو ننتقد سياساتها ولم يثبت عليها أي تعدي على أي دولة في محيطنا.
إستخدامك - الشامت في إيران - لشماعة 2011 ومرسي وسليماني ليس دليلًا، بل هروب من الحقيقة الأساسية: العدو الوحيد الذي يحتل أرضًا، ويقتل شعبًا، ويهدد الإقليم ويتحدث عن «إسرائيل الكبرى» والتمدد على أراضي 6 دول عربية بلا مساءلة هو إسرائيل؟!!.
نقد إيران مشروع، لكن شيطنتها لتبرئة الإحتلال عمالة فكرية! ومن يساوي بين الضحية والجلاد إختار موقعه في صف الصهاينة، ولا يحتاج مزيد من الشرح، لأنه منذ سنوات طويلة، يحاول الكيان المحتل وواشنطن أن يقدّما للعالم رواية جاهزة عن إيران: دولة مارقة، مشروع نووي عسكري، تهديد وجودي للمنطقة والعالم، غير أن الرواية، حين ننظر إليها بعيدًا عن المنابر ووسائل الإعلام الموجهة والمأجورة، تبدو أقل يقينًا وأكثر التباسًا مما يُراد لها أن تكون.
المسألة ليست دفاعًا أعمى عن طهران، ولكن دفاع عن حقائق غابت في فوضى التجييش والاستعداء والإعلام الموجه والمأجور؛ فإيران، منذ قيام جمهوريتها، لم تبدأ حربًا خارج حدودها، بينما المنطقة نفسها شهدت حروبًا استباقية واحتلالات معلنة، كان أشهرها غزو العراق عام 2003 بذريعة «أسلحة الدمار الشامل» التي اعترف العالم لاحقًا بأنها لم تكن موجودة؛ يومها قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول أمام مجلس الأمن: «لدينا أدلة قاطعة»، وبعد سنوات، اعترف الرجل بأن ذلك الخطاب كان وصمة في مسيرته؛ كم من حرب نحتاجها كي تتعلم الشك؟!!.
تتحدث إسرائيل عن «خطر كوني»، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي يُجمع الخبراء على امتلاكها ترسانة نووية، خارج أي رقابة دولية، وخارج معاهدة عدم الانتشار؛ لا أحد يطالبها بالتوقيع، ولا أحد يلوّح بالعقوبات؛ هنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: هل يُحظر السلاح على خصم، ويُغض الطرف عنه لدى حليف؟!.
أما الحديث عن أن إسقاط النظام في طهران سيجلب «الشرق الأوسط الجديد»، فهو تكرار لعبارة سمعناها كثيرًا؛ قيلت قبل وبعد غزو العراق، وقيلت قبل الفوضى التي عمّت المنطقة؛ الشرق الأوسط لا يُعاد رسمه بالافتراءات والكذب والتدليس، بل بالتوازنات الدقيقة، وأي محاولة لكسر هذا التوازن بالقوة قد تفتح أبوابًا لا يستطيع أحد إغلاقها.
سيكون «اليوم التالي» لسقوط نظام المرشد في إيران – إن حدث – أكثر خطورة من لحظة السقوط ذاتها؛ فملامح ما بعد السقوط لا تُرسم في شوارع طهران وحدها، بل على طاولات التخطيط البارد التي ترى في الفوضى فرصة، وفي إعادة هندسة الخرائط مشروعًا مؤجلاً ينتظر لحظة الانقضاض.
شرق أوسط متشظٍ، مقطوع الأوصال، تتنازعه الهويات الصغرى وتغيب عنه الدولة الجامعة، هو البيئة المثلى لمخطط المتطرف الذي يحلم بقيادة الإقليم، وللمطور العقاري الذي يتعامل مع الجغرافيا كقطعة أرض قابلة لإعادة التقسيم، تمهيدًا لقيادة «الكيان» للإقليم وكيلًا عن بلاد العم ترامب؛ عندها لا تعود السيادة سوى لافتة، ولا يصبح الاستقرار إلا امتيازًا يمنح ويُسحب.
الدفاع عن إيران هنا ليس تزكية لكل سياساتها، ولا إنكارًا لأخطائها، ولكن رفض لتحويلها إلى شماعة جاهزة لكل أزمات المنطقة؛ ثمة فرق بين النقد الموضوعي والتحريض الممنهج؛ وثمة فرق بين ردع متبادل يحفظ التوازن، ومغامرة تسعى إلى حسم نهائي في منطقة لا تعرف الحسم.
صحيح أن لا أحد يملك براءة مطلقة، لكن التجارب علمتنا أن الحروب التي تبدأ تحت عنوان «الضربة الوقائية» تنتهي غالبًا بسنوات من الفوضى؛ وإذا كان لا بد من درس نتعلمه، فهو أن الاستقرار لا يُبنى بإقصاء دولة بحجم إيران، بل بإدماجها في معادلة أمنية عادلة، حيث تُطبّق القواعد على الجميع، لا على طرف دون آخر.
ذلك وحده ما يحفظ المنطقة من رواية جديدة تُكتب بالرصاص، وتدفع المنطقة كلها كلفتها دمًا واقتصادًا وأجيالًا كاملة.. وفي خضم هذا العبث المنهمر، لا عزاء لمن فرّط في عروة مصر الوثقى، أو ظن أن الارتهان لهذا الطرف أو ذاك يصنع أمنًا أو يشتري نجاة، فالدول لا تحتمي إلا بذاتها، ولا يثبت في زمن السيولة إلا من امتلك مشروعه الوطني الواضح.
السلام لمصر.. الدولة قبل الأفراد، والشعب قبل الشعارات، والجيش عمود الخيمة وحامي المُقدرات، والقيادة عنوان الحقيقة والقوة الحكيمة وسط طوفان المزايدات والانفعالات؛ ففي عالم تتنازعه الحماقات، تظل الحكمة المصرية ضرورة لا ترفًا، وخيار الدولة الوطنية هو الحصن الأخير في وجه الفوضى.. حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.




