عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم الجنرال الغامض.. أحمد وحيدي من زوايا الاستخبارات المظلمة إلى قيادة الحرس الثوري الإيراني - بوابة نيوز مصر
تتلاقى خيوط القوة والأمن في طهران عند شخصية واحدة استطاعت أن تحافظ على ثباتها وسط أعاصير السياسة الإيرانية المتقلبة، وهو الجنرال أحمد وحيدي الذي بات اليوم يتربع على قمة الهرم العسكري في البلاد.
إن اختيار هذا الرجل لقيادة الحرس الثوري في هذه المرحلة التاريخية الحساسة لم يكن وليد الصدفة، بل هو تتويج لمسيرة بدأت منذ إرهاصات الثورة الأولى، حيث تشابكت حياته مع بناء أعمدة الدولة الأمنية.
يمثل أحمد وحيدي الجيل الذي لم يكتفِ بالبندقية، بل سلح نفسه بالعلم والتخطيط الاستراتيجي ليكون المهندس الخفي وراء تمدد النفوذ الإيراني خارج حدودها الجغرافية التقليدية عبر عقود طويلة من العمل الميداني والسياسي.
وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" والوكالات الإخبارية المتابعة للشأن الإيراني، فإن أحمد وحيدي ولد في مدينة شيراز عام 1958، ليجد نفسه شاباً في خضم التحولات الراديكالية التي أطاحت بنظام الشاه. انخرط وحيدي مبكراً في صفوف الحرس الثوري عام 1980، حيث أدرك القادة الجدد حينها أن الشاب يمتلك قدرات تنظيمية واستخباراتية تفوق أقرانه، مما جعله يتدرج سريعاً في المناصب الحساسة. كانت الحرب الإيرانية العراقية هي المختبر الحقيقي الذي صقل شخصيته القيادية، حيث شغل منصب نائب رئيس استخبارات الحرس الثوري، وهي الفترة التي شهدت ولادة الأجهزة الأمنية المعقدة التي تدير ملفات الصراع الإقليمي والدولي حتى يومنا هذا.
العقل الاستراتيجي والتحصيل الأكاديمي المتقدم
لم يكن أحمد وحيدي مجرد ضابط ميداني ينفذ الأوامر، بل كان يمتلك رؤية أكاديمية جعلته يتميز في بيئة تعتمد غالباً على الولاء العقائدي الصرف. حصل الرجل على بكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة أمير كبير للعلوم والصناعة، وهي واحدة من أعرق الجامعات التقنية في طهران، مما منحه فهماً عميقاً للصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية. استمر في طموحه العلمي لينال ماجستير الهندسة الصناعية ودكتوراه في الدراسات الاستراتيجية، وهو ما يفسر قدرته اللاحقة على إدارة وزارة الدفاع وتطوير برامج الصواريخ والأسلحة التي أصبحت الركيزة الأساسية للردع الإيراني في مواجهة التهديدات الخارجية والضغوط الدولية المتزايدة.
إن هذا المزيج الفريد بين الخبرة القتالية المباشرة والخلفية العلمية الرصينة جعل من أحمد وحيدي مرشحاً دائماً للمهام المستحيلة التي تتطلب دقة هندسية وحنكاً سياسياً. يرى المراقبون أن قدرته على صياغة الرؤى الدفاعية البعيدة المدى هي التي دفعته لرئاسة مركز البحوث الاستراتيجية الدفاعية وجامعة الدفاع الوطني العليا لسنوات طويلة. في تلك المؤسسات، أشرف وحيدي على تدريب جيل كامل من القادة العسكريين الذين يديرون الآن غرف العمليات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، حيث نقل إليهم فلسفته التي تدمج بين العمل الاستخباري الخفي والقوة العسكرية الخشنة لتحقيق أهداف الدولة العليا في ظل الحصار الاقتصادي والعسكري.
مؤسس فيلق القدس والعمليات خلف الحدود
تعتبر الفترة ما بين عامي 1988 و1997 هي الأهم في تاريخ التمدد الإيراني الإقليمي، حيث تولى أحمد وحيدي قيادة فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري. خلال هذه الحقبة، وضع وحيدي اللبنات الأولى لشبكة التحالفات العابرة للحدود، وأشرف على بناء الفصائل المسلحة التي أصبحت لاحقاً أذرعاً قوية لطهران في لبنان والعراق وأماكن أخرى. كان وحيدي هو العقل المدبر الذي نقل تجربة الحرس الثوري من الدفاع عن الحدود الإيرانية إلى الهجوم الاستراتيجي في العمق الإقليمي، مما جعله يواجه اتهامات دولية مباشرة بالتورط في عمليات معقدة وحساسة هزت أركان المجتمع الدولي في ذلك الوقت.
ارتبط اسم القائد أحمد وحيدي بقضايا دولية كبرى لا تزال تلاحقه حتى اليوم، وأبرزها تفجير مركز "آميا" اليهودي في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس عام 1994. هذه الحادثة دفعت القضاء الأرجنتيني لمطالبة الإنتربول بإصدار مذكرة توقيف دولية بحقه، مما جعل تحركاته الخارجية محفوفة بالمخاطر الدبلوماسية والقانونية. ورغم هذه الملاحقات، استمرت الدولة الإيرانية في منحه ثقة مطلقة، معتبرة أن هذه الاتهامات هي ضريبة طبيعية لنجاحه في تقويض المصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة، وهو ما زاد من رصيده الشعبي داخل الأوساط الراديكالية والمحافظة في بنية النظام الإيراني الحاكم.
من غرف الاستخبارات إلى أروقة الوزارات السيادية
انتقل أحمد وحيدي من العمل العسكري البحت إلى الواجهة السياسية ببراعة فائقة، حيث شغل منصب وزير الدفاع في حكومة محمود أحمدي نجاد عام 2009. نال وحيدي حينها ثقة البرلمان بغالبية كاسحة، في رسالة واضحة للعالم بأن طهران لا تبالي بالمذكرات الدولية وترى في رجالها "أبطالاً قوميين". خلال ولايته، شهدت الصناعات الدفاعية قفزة نوعية في إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، حيث استغل خلفيته الهندسية لتحويل الوزارة إلى خلية نحل صناعية تسابق الزمن لمواجهة التهديدات الإسرائيلية المستمرة بضرب المنشآت النووية، مما عزز من مكانته كوزير لا يشق له غبار.
في عام 2021، ومع وصول إبراهيم رئيسي إلى سدة الحكم، تم اختيار أحمد وحيدي لتولي حقيبة وزارة الداخلية، وهي واحدة من أصعب المهام في ظل الاحتقان الشعبي. كان عليه التعامل مع ملفات شائكة تبدأ من الأمن الداخلي والانتخابات وصولاً إلى إدارة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في عام 2022. أظهر وحيدي خلال تلك الأزمة قبضة حديدية وموقفاً صلباً لا يتزحزح، حيث طالب بمحاسبة كل من تورط في زعزعة الاستقرار، معتبراً أن الأمن القومي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو ما أكد دوره كحارس أمين للنظام في أحلك الظروف الداخلية والضغوط الخارجية.
زلزال الاغتيالات والعودة إلى قمة الحرس
تأتي عودة أحمد وحيدي إلى قيادة الحرس الثوري في لحظة فارقة تمر بها إيران، خاصة بعد الأنباء المتواترة عن عمليات اغتيال طالت قيادات كبرى في هرم السلطة. في ظل هذه الفوضى الأمنية، برزت الحاجة إلى رجل يمتلك "الصندوق الأسود" للاستخبارات والقدرة على إعادة ترتيب الصفوف المبعثرة بسرعة فائقة. يمتلك وحيدي تاريخاً طويلاً في التعامل مع الأزمات الكبرى، بدءاً من قضية "ماك فارلين" في الثمانينيات وصولاً إلى حروب الظل الحالية مع إسرائيل، مما يجعله الشخصية الوحيدة القادرة على ضبط الإيقاع العسكري ومنع انهيار الردع الإيراني في ظل الضربات المتلاحقة.
إن المشهد السياسي والعسكري في إيران اليوم يتشكل وفق رؤية أحمد وحيدي، الذي يجمع بين طموحات الثورة وواقعية الدولة التي تبحث عن البقاء. يراقب العالم تحركاته القادمة بحذر شديد، فتعيينه ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل هو إشارة لتبني استراتيجية أكثر هجوماً وغموضاً في آن واحد. بينما تستمر الاتهامات الدولية بملاحقته، يظل وحيدي متمسكاً بدوره كقائد لمؤسسة تسيطر على مفاصل الاقتصاد والسياسة والسلاح، مما يجعله اللاعب الأبرز في رسم مستقبل إيران والمنطقة في السنوات القادمة التي تبدو حبلى بالمفاجآت العسكرية والسياسية الكبرى.




