عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم سيناريو العراق يتكرر.. قراءة في رؤية الصحافة الغربية لمستقبل النظام الإيراني بعد القصف - بوابة نيوز مصر
تشهد المنطقة منعطفاً تاريخياً خطيراً في ظل متابعة دقيقة من قبل الصحافة الغربية التي رصدت تباين القراءات حول الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير على الأراضي الإيرانية. وتراوحت هذه التغطيات بين تحليل الأهداف الإستراتيجية للعملية العسكرية وبين التحذيرات الصارمة من اندلاع نزاع إقليمي لا يمكن السيطرة عليه. وبرز اتفاق ضمني على أن التحرك العسكري يحمل في طياته مخاطر جسيمة تهدد حياة المدنيين واستقرار الشرق الأوسط بشكل كامل.
حسب تقرير لصحيفة جارديان البريطانية، وصف الكاتب سايمون تيسدال هذا الهجوم بأنه يمثل حالة من التهور المفرط والخطير التي قد تؤدي لنتائج كارثية. وأكد تيسدال أن الأثر المباشر سيتجاوز تدمير المنشآت ليصل إلى خلق موجة عاتية من الكراهية والانتقام الإرهابي في المنطقة. وشبه الكاتب هذه الوضعية بما جرى سابقاً في أفغانستان والعراق، حيث أدت التدخلات العسكرية غير المحسوبة إلى فوضى أمنية طويلة الأمد.
وتستمر الصحافة الغربية في تعرية الدوافع السياسية الكامنة وراء هذا التصعيد العسكري المفاجئ الذي قاده الرئيس دونالد ترمب بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي. ويرى تيسدال في تحليله أن ترمب يسير على خطى جورج بوش الابن عام ألفين وثلاثة عبر صناعة أزمة مبنية على مزاعم لم تثبت صحتها. وأوضح أن الخطاب المعلن حول حقوق الإيرانيين والحرية ليس سوى غطاء لمزيج من الاعتبارات الانتخابية والمصالح الذاتية الضيقة.
وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تحاصر نفسها سياسياً عبر إطلاق وعود بتغيير جذري في طهران دون امتلاك أدوات تنفيذية واضحة. ودعا ترمب الشعب الإيراني إلى انتفاضة وطنية شاملة لإسقاط النظام الحاكم، لكنه لم يقدم أي خطة لوجستية أو سياسية لدعم هذا التحرك. وتحذر التحليلات من أن أي محاولة قسرية لتغيير النظام قد تنتهي بحرب أهلية مدمرة تمتد نيرانها لتشمل كافة دول الجوار الإقليمي.
أهداف العملية العسكرية وخلفيات الصراع
تطرق رولاند أوليفانت في صحيفة ديلي تليغراف البريطانية إلى أوجه الشبه الصارخة بين ما يحدث الآن وما جرى في غزو العراق سابقاً. وحذر أوليفانت من الاعتقاد السائد بأن القوة العسكرية وحدها كفيلة بتحقيق تغيير دائم ومستقر في هيكلية النظام السياسي الإيراني المعقد. وتساءل الكاتب عن البدائل المحتملة لخلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، مشيراً إلى أن الشخصيات المطروحة حالياً تفتقر للقبول الشعبي الواسع.
وفي ذات السياق، اعتبر ديفيد بلير في الديلي تليغراف أن الهدف النهائي للهجوم يتجاوز مجرد تعطيل المنشآت النووية أو العسكرية التقليدية. ويرى بلير أن الخطة تهدف إلى إضعاف القيادة الإيرانية بالكامل وهز أركان شرعيتها أمام الجماهير الغاضبة من الأوضاع الاقتصادية. وشدد على أن نجاح هذه العملية يعتمد كلياً على رد فعل الشعب الإيراني، فإذا تمسك النظام بزمام الأمور فإن الهجوم سيفشل.
وعكست الصحافة الغربية حالة من القلق العميق تجاه إستراتيجية "تغيير النظام" التي تتبناها واشنطن في الوقت الراهن تجاه الملف الإيراني الشائك. وسلط جارد مالسين في وول ستريت جورنال الضوء على المخاطر المرتبطة بدعوة واشنطن للإيرانيين للإطاحة بنظامهم بوسائل قسرية. وأوضح مالسين أن هذه الإستراتيجية محفوفة بالمخاطر الأمنية، حيث قد تؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة ونشر الفوضى المسلحة في عموم البلاد.
إن تعقيد الملف الإيراني يعود لعقود من التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي الذي تمارسه طهران عبر وكلائها في المنطقة العربية. وتعتبر القوى الغربية أن طهران تشكل تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل والملاحة الدولية، وهو ما دفع نحو هذا التصعيد العسكري الأخير. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول ما إذا كانت الضربات الجوية كافية لتحجيم هذا النفوذ أو أنها ستؤدي لنتائج عكسية تماماً.
تهديدات الملاحة وتوسع رقعة النزاع
ركزت غابرييل واينيغر في صحيفة التايمز اللندنية على التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية للهجوم، خاصة فيما يتعلق بأمن الممرات المائية الحيوية في المنطقة. وأشارت واينيغر إلى أن مضيق هرمز يمثل نقطة ضعف قاتلة للاقتصاد العالمي في حال قررت إيران الرد بإغلاقه عسكرياً. إن استهداف حركة ناقلات النفط سيؤدي حتماً إلى قفزة جنونية في الأسعار، مما يضع العالم أمام أزمة طاقة غير مسبوقة.
ونبهت واينيغر إلى أن إيران تمتلك أوراق ضغط قوية عبر حلفائها الإقليميين الذين يشكلون ما يعرف بمحور المقاومة في لبنان واليمن والعراق. ومن المتوقع أن يتحرك حزب الله في لبنان أو جماعة الحوثي في اليمن لشن هجمات انتقامية ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية. هذا السيناريو سيؤدي إلى تشتيت الجهود العسكرية وفتح جبهات متعددة تستنزف القوى المهاجمة وتزيد من تعقيد الموقف الميداني.
ويتفق جوليان بورغر في الغارديان مع هذا الطرح، معتبراً أن الهجوم يفتقر إلى الأساس القانوني المتين في إطار القانون الدولي المعاصر. ورأى بورغر أن الرد الإيراني لن يقتصر على الدفاع الداخلي، بل سيشمل استخدام الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة المتطورة. وأكد أن انخراط الحلفاء الإقليميين في الرد سيؤدي إلى تصعيد واسع النطاق قد يتحول بسرعة إلى حرب إقليمية شاملة ومدمرة.
وتظل الصحافة الغربية تراقب بحذر شديد ردود الفعل في العواصم الأوروبية التي بدت منقسمة تجاه التحرك الأمريكي المنفرد في كثير من جوانبه. وبينما تدعم بعض القوى ضرورة كبح جماح طموحات طهران، تخشى الغالبية من تبعات انهيار الاتفاقات الدبلوماسية السابقة. إن غياب التنسيق الدولي الواسع يجعل من العملية العسكرية مغامرة غير مضمونة النتائج، مما يزيد من احتمالات الفشل الإستراتيجي على المدى البعيد.
الشرعية القانونية والمأزق الدستوري لواشنطن
انتقدت هيئة تحرير صحيفة نيويورك تايمز بشدة قرار الرئيس ترمب بشن الهجوم، واصفة إياه بالقرار الذي يفتقر للمبرر القانوني أو السياسي الواضح. وأشارت الصحيفة إلى أن العملية تمت دون الحصول على مباركة أو تفويض من الكونغرس الأمريكي، مما يثير تساؤلات دستورية خطيرة. واعتبرت الهيئة أن القفز فوق المؤسسات التشريعية يضعف الموقف الأخلاقي والسياسي للولايات المتحدة في المحافل الدولية والقانونية.
وذكرت الصحيفة أن الإدارة الأمريكية استندت في تبرير الهجوم إلى وعود غامضة تتعلق بدعم طموحات الشعب الإيراني في التغيير والحرية. ورأت أن تجاهل القانون الدولي وأمن المدنيين يعرض الولايات المتحدة للمساءلة التاريخية والقانونية في حال وقوع مجازر أو كوارث إنسانية. إن هذا النهج الانفرادي يعزز من صورة واشنطن كقوة تفرض إرادتها بالقوة دون اعتبار للأنظمة والقوانين الدولية المنظمة للحروب.
وعاد سايمون تيسدال ليؤكد في الغارديان أن الدعوة الأمريكية للانتفاضة الشعبية تفتقر لآليات الدعم الحقيقي على أرض الواقع المعقد في إيران. وحذر من أن ترك الشعب الإيراني في مواجهة مباشرة مع آلة النظام القمعية دون خطة حماية قد يسبب مجازر دموية. هذا التخبط في التخطيط يزيد من احتمالات اندلاع حرب أهلية طويلة الأمد تجذب إليها القوى الإقليمية والدولية المتصارعة.
وتطرقت التحليلات إلى أن غياب الغطاء القانوني الدولي يجعل من الصعب حشد تحالف عالمي لدعم مرحلة ما بعد الهجوم العسكري. وتجد واشنطن نفسها وحيدة في مواجهة تبعات إعادة الإعمار أو التعامل مع موجات اللجوء المحتملة التي قد تنجم عن النزاع. إن التمسك بالشرعية الدولية كان دائماً صمام أمان للولايات المتحدة، والتخلي عنه الآن يمثل مخاطرة غير محسوبة العواقب.
التناقضات السياسية ومستقبل النظام الإيراني
ركز مارك ألموند في مقال بصحيفة إندبندنت البريطانية على التناقض الصارخ بين وعود ترمب الانتخابية بإنهاء الحروب الخارجية وتصرفاته العسكرية الحالية. وأشار ألموند إلى صعوبة تحقيق نصر سريع وحاسم دون اللجوء إلى تدخل بري واسع النطاق، وهو ما يرفضه الناخب الأمريكي. واعتبر الكاتب أن استجابة الشارع الإيراني هي التي ستحدد في نهاية المطاف مستقبل ترمب السياسي ومستقبل النظام في طهران.
ويرى ألموند أن النظام الإيراني أثبت قدرة كبيرة على البقاء رغم العقود الطويلة من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية الغربية المستمرة. وقد يؤدي الهجوم العسكري الحالي إلى تأثير عكسي، حيث يلتف الشعب حول قيادته في مواجهة ما يعتبرونه عدواناً خارجياً غاشماً. إن قراءة سيكولوجية الشعوب في وقت الأزمات تعد عنصراً حاسماً غالباً ما يتجاهله صانع القرار في البيت الأبيض خلال التخطيط.
وأبرز أمين أرفي في تحليل بصحيفة لوبوان الفرنسية أن هذه المواجهة تمثل تصعيداً غير مسبوق لم يشهده النزاع الأمريكي الإيراني منذ عقود. وأكد أرفي أن احتمال تحول الضربات المحدودة إلى حرب شاملة يعتمد بشكل أساسي على حجم وقوة الردود الإيرانية القادمة. كما تعتمد النتائج على قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض أهدافهما العسكرية دون الانزلاق إلى مستنقع حرب استنزاف طويلة.
وتشير التوقعات إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في رسم الخريطة السياسية الجديدة للشرق الأوسط بناءً على نتائج هذه المواجهة. فإما أن ينجح الضغط العسكري في إجبار طهران على تقديم تنازلات مؤلمة، أو أن المنطقة ستدخل في نفق مظلم من الصراعات. ويبقى الرهان على قدرة الأطراف الدولية على كبح جماح التصعيد قبل وصوله إلى نقطة اللاعودة التي تهدد السلم العالمي.
النتائج المتوقعة وآفاق الاستقرار الإقليمي
في الختام، يمكن استخلاص أن ما جاء في الصحافة الغربية يعكس قلقاً عميقاً من تداعيات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير على السيادة الإيرانية. وترى هذه الصحف أن العملية تمثل تصعيداً خطيراً قد يغير قواعد اللعبة السياسية في المنطقة لعقود قادمة من الزمن. كما أن تحقيق الأهداف المعلنة يظل رهناً باستجابة الشعب الإيراني ومدى قدرة النظام على امتصاص الضربة العسكرية الأولى.
ويظل الخلاف قائماً بين المحللين الغربيين حول فاعلية الإستراتيجية الأمريكية طويلة المدى ومدى شرعيتها في ظل غياب التوافق الدولي التام. فبينما يرى البعض أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام الإيراني، يعتقد آخرون أن الدبلوماسية كانت المسار الأكثر أماناً. إن هذا الانقسام في الرؤى يعكس تعقيد المشهد الإيراني وصعوبة التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في المستقبل القريب.
إن استقرار الشرق الأوسط بات اليوم على المحك أكثر من أي وقت مضى، وسط ترقب عالمي لردود الفعل المتبادلة بين الأطراف. وتستمر الصحافة الغربية في التحذير من أن ثمن الخطأ في الحسابات السياسية والعسكرية سيكون باهظاً جداً على الجميع دون استثناء. فالحروب في هذه المنطقة الحيوية من العالم لا تظل حبيسة الحدود، بل تمتد آثارها لتطال أمن واستقرار القارات الخمس.
ويبقى السؤال الجوهري حول ما إذا كانت واشنطن تمتلك إستراتيجية خروج واضحة في حال تعقدت الأمور ميدانياً أو سياسياً في الداخل الإيراني. إن التاريخ القريب يؤكد أن الدخول في نزاعات عسكرية هو الجزء السهل، بينما تكمن الصعوبة في إدارة النتائج وبناء استقرار مستدام. وستظل العيون شاخصة نحو طهران وواشنطن بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة من تطورات دراماتيكية قد تعيد صياغة التاريخ المعاصر.




