عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم من الأنفاق إلى الطاولات الدولية.. معركة نزع سلاح حماس تدخل مرحلة تكسير العظام - بوابة نيوز مصر
تشهد الأروقة السياسية الدولية حراكاً محموماً يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية المعتادة، حيث يبرز ملف نزع سلاح حماس كحجر زاوية في صياغة المشهد المستقبلي لقطاع غزة المنهك من الحروب.
تتسارع الإنذارات الصادرة من الجانب الإسرائيلي مدعومة بزخم أميركي جديد يهدف إلى طي صفحة العمل العسكري للفصائل الفلسطينية، وسط حالة من الترقب الشعبي والسياسي لما ستؤول إليه المشاورات الجارية في العواصم الكبرى.
تتجه الأنظار نحو قمة مجلس السلام المرتقبة، حيث تتصاعد نبرة الوعيد بتوجيه مهلة نهائية للحركة من أجل تسليم ترسانتها العسكرية بالكامل أو مواجهة عودة الحرب الشاملة. يبدو أن الإدارة الأميركية واليمين الإسرائيلي المتطرف يضعان ملف نزع سلاح حماس ضمن مرحلة اللاعودة، معتبرين أن أي عملية إعمار للقطاع المدمر يجب أن تمر حتماً عبر تجريده من الصواريخ والأنفاق الهجومية.
في المقابل، ترفض حركة حماس هذه الطروحات جملة وتفصيلاً، معتبرة أن السلاح هو الضمانة الوحيدة لحماية الشعب الفلسطيني من تكرار الاعتداءات والاجتياحات الإسرائيلية المستمرة. تؤكد الحركة في تصريحاتها الأخيرة أن المطالبة بإنهاء القوة العسكرية للمقاومة تمثل استهتاراً بجهود الوسطاء الذين يحاولون تثبيت التهدئة وتجنب الانزلاق نحو مواجهة دموية جديدة قد تحرق الأخضر واليابس في المنطقة.
تتداخل هذه التطورات الميدانية مع تقارير استخباراتية إسرائيلية تزعم استمرار عمليات التهريب وتصنيع الصواريخ تحت أنقاض المباني المدمرة في شمال قطاع غزة وجباليا. تحاول إسرائيل من خلال هذه المزاعم شرعنة العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة، مشددة على أن نزع سلاح حماس لا يمكن تحقيقه عبر التفاهمات الدبلوماسية وحدها، بل يحتاج إلى قبضة عسكرية قوية تجتث البنية التحتية للمقاومة من جذورها العميقة.
المساعي الدبلوماسية في ظلال التهديدات العسكرية
تقود مصر وقطر وتركيا جهوداً مضنية للوصول إلى صيغة تفاهمية تمنع انفجار الأوضاع، مع التركيز على مقترحات تقضي بتنظيم السلاح وليس نزعه بشكل كامل وفوري. تسعى هذه الأطراف إلى تقديم رؤية متوازنة تضمن أمن الجميع، وتدرك أن فرض ملف نزع سلاح حماس بالقوة سيؤدي إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لن تخدم استقرار الشرق الأوسط الذي يعاني من أزمات متلاحقة.
تتضمن بعض التسريبات الأميركية مقترحات لتسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ بعيدة المدى مقابل تسهيلات اقتصادية كبرى وانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من الممرات الحيوية. يرى المحللون أن هذه المقترحات هي محاولة لجس النبض، خاصة وأن الحركة لا تزال تمتلك قدرة على المناورة السياسية بفضل سيطرتها المدنية والأمنية على مفاصل الحياة اليومية للنازحين في المخيمات والمدن الفلسطينية المختلفة.
على الصعيد الميداني، يعيش النازحون في خيامهم المتهالكة حالة من الرعب والقلق مع توالي التهديدات بإعادة احتلال القطاع، حيث تفيض المياه وتتراكم الأنقاض في مشهد مأساوي. يرى هؤلاء أن الجدل حول السلاح لا يعنيهم بقدر ما تعنيهم لقمة العيش والأمان المفقود، بينما تصر القيادة السياسية للحركة على أن كرامة هؤلاء الناس مرتبطة ببقاء سلاح يحميهم من التهجير القسري والقتل.
يعتبر اليمين الإسرائيلي، بقيادة وزراء مثل سموتريتش، أن اللحظة الراهنة هي الفرصة التاريخية لتصفية القدرات العسكرية الفلسطينية بالكامل تحت غطاء الدعم الأميركي اللامحدود من إدارة ترمب. يلوح هؤلاء المسؤولون بمهلة الستين يوماً كإنذار نهائي، معتبرين أن عدم امتثال الفصائل لشرط نزع سلاح حماس سيفتح الباب أمام اجتياح بري شامل يستهدف السيطرة الدائمة على كامل المساحة الجغرافية لغزة.
رياح الحرب الإقليمية والتموضع اللبناني
لا ينفصل ملف غزة عن التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران، حيث تشير التقديرات إلى احتمالية وقوع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في القريب العاجل. يجد لبنان نفسه في قلب هذه العاصفة، مع تزايد الضغوط على حزب الله للنأي بنفسه عن أي صراع إقليمي، وتصاعد المطالبات الدولية بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية كشرط أساسي لمنع تدمير بيروت.
تترقب العواصم العربية نتائج المفاوضات الإيرانية الأميركية في جنيف، مدركة أن فشل المسار الدبلوماسي سيعني اشتعال جبهات متعددة من اليمن إلى لبنان وصولاً إلى العراق وسوريا. يخشى المراقبون أن يكون الضغط الحالي على غزة هو مقدمة لعملية أوسع تستهدف تفكيك محور المقاومة بالكامل، مما يجعل من الصعب على أي طرف تقديم تنازلات جوهرية في ملفات التسلح الاستراتيجية بالمنطقة.
يرى حزب الله أن التخلي عن السلاح في هذا التوقيت يمثل انتحاراً سياسياً وعسكرياً، خاصة مع استمرار الغارات الإسرائيلية التي تستهدف كوادره في البقاع والجنوب. تتزايد المخاوف من أن يؤدي التمسك بالسلاح إلى منح إسرائيل الذريعة التي تبحث عنها لتوسيع نطاق الحرب وتدمير البنية التحتية اللبنانية، في تكرار لسيناريو غزة الذي لا يزال ماثلاً للعيان بكل تفاصيله المؤلمة.
تعمل الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئاسة والحكومة، على تكثيف الاتصالات الدولية لتحييد لبنان عن الصراع المرتقب، مشددة على ضرورة تطبيق القرار 1701 بشكل كامل من الطرفين. يدرك الجميع أن ميزان القوى مختل بشكل كبير، وأن أي مغامرة عسكرية جديدة ستكون تكلفتها البشرية والمادية باهظة جداً على شعب يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة لا تحتمل المزيد من الهزات.
سوريا بين نار الإرهاب والميليشيات المنفلتة
في الجانب السوري، تبرز تحديات أمنية جديدة تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، حيث تشن القوات الحكومية عمليات أمنية ضد ميليشيات محلية متمردة في الساحل السوري. يتزامن هذا مع تصعيد ملحوظ لتنظيم داعش في البادية والمنطقة الشرقية، مما يشير إلى محاولات لتشتيت القوة الأمنية للدولة السورية الجديدة التي تحاول لملمة جراحها بعد سنوات طويلة من الصراع المرير.
يرى الخبراء أن هناك نوعاً من التناغم غير المباشر بين بقايا التنظيمات المتطرفة والميليشيات المنفلتة لزعزعة الاستقرار وإفشال جهود الإدارة الجديدة في دمشق. تسعى الدولة السورية إلى إثبات جدارتها في مكافحة الإرهاب من خلال الانضمام للتحالف الدولي، وهي خطوة تثير حفيظة الجماعات التي كانت تستفيد من حالة الفوضى السابقة لتجنيد الشباب والسيطرة على الموارد الحيوية في المناطق النائية.
تتداخل المصالح الدولية في سوريا بشكل كبير، حيث تسعى القوى الكبرى لضمان عدم عودة التنظيمات الإرهابية للواجهة مرة أخرى، بينما تحاول القوى الإقليمية حماية نفوذها. يظل ملف السلاح المنفلت خارج إطار الدولة هو المعضلة الأكبر التي تواجه أي عملية استقرار حقيقية، وهو ما يتشابه في جوهره مع الأزمات القائمة في غزة ولبنان واليمن بشكل أو بآخر.
على الجانب الآخر من الحدود، تتخذ الحكومة اليمنية من عدن مقراً لمباشرة مهامها بدعم سعودي قوي، في محاولة لاستعادة المؤسسات وتقديم الخدمات للمواطنين الذين سحقهم الفقر والجوع. تبرز تحديات كبرى أمام الحكومة في مجالات الكهرباء والنفط والاتصالات، وسط سعي حثيث لتوحيد الجبهة العسكرية والأمنية لمواجهة التهديدات المستمرة وتحقيق الاستقرار المنشود في البلاد الممزقة.
خيارات صعبة ومستقبل مجهول للمنطقة
تعكس الصورة الكلية في الشرق الأوسط صراعاً مريراً بين رغبات الشعوب في الاستقرار وبين أجندات القوى العظمى التي تسعى لإعادة صياغة الخارطة السياسية بالكامل. يظل ملف نزع سلاح حماس هو الاختبار الأكثر تعقيداً في هذه المرحلة، حيث تتلاقى فيه المصالح الأمنية الإسرائيلية مع الرؤية الأميركية الجديدة للمنطقة، وسط رفض فلسطيني وإقليمي واسع لتجريد المقاومة من أدوات دفاعها.
تتسارع الأحداث نحو مواجهة قد لا تكون حتمية إذا ما نجحت لغة العقل والتفاهمات الدبلوماسية في إيجاد صيغ وسطية تضمن أمن المدنيين وحقوقهم المشروعة. يدرك الوسطاء أن الضغط الزائد قد يؤدي إلى انفجار لا يمكن السيطرة عليه، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بالإنذارات والمهل الزمنية، بل بالعدالة السياسية التي تعالج جذور الصراع الممتدة لعقود طويلة من الزمان.
في ظل الأجواء الرمضانية الحزينة التي يعيشها الغزيون وسط الأنقاض، تبقى الآمال معلقة على معجزة سياسية تنهي كابوس الحرب وتفتح آفاقاً جديدة للبناء. يترقب الجميع ما ستسفر عنه الأيام القادمة من اجتماعات وقرارات دولية، مدركين أن مصير المنطقة برمته بات معلقاً على خيوط رفيعة من المفاوضات التي تجري تحت دوي المدافع وتحليق طائرات الاستطلاع المستمر في السماء.
إن رحلة البحث عن الاستقرار في الشرق الأوسط تمر عبر طرق وعرة مليئة بالألغام السياسية والعسكرية، حيث يتداخل المحلي مع الإقليمي والدولي في تشابك معقد. يبقى السلاح، بجميع أشكاله، هو المحرك الأساسي للأحداث، وتظل الرغبة في نزعه أو الاحتفاظ به هي القضية المركزية التي ستحدد شكل المنطقة للأجيال القادمة، بعيداً عن صراعات النفوذ والسيطرة القاتلة.




