حياكة السجاد مقابل صفقات العقارات: لماذا تخشى واشنطن "أساتذة التفاوض" في طهران؟ - بوابة نيوز مصر

حياكة السجاد مقابل صفقات العقارات: لماذا تخشى واشنطن "أساتذة التفاوض" في طهران؟ - بوابة نيوز مصر
حياكة السجاد مقابل صفقات العقارات: لماذا تخشى واشنطن "أساتذة التفاوض" في طهران؟ - بوابة نيوز مصر

عزيزي الزائر أهلا وسهلا بك في موقع نيوز مصر نقدم لكم اليوم حياكة السجاد مقابل صفقات العقارات: لماذا تخشى واشنطن "أساتذة التفاوض" في طهران؟ - بوابة نيوز مصر

تبدو واشنطن في دهاليز الدبلوماسية الدولية اليوم كمن يخوض غمار الملاكمة ضد خصم يمارس الشطرنج بهدوء قاتل؛ ففي هذه الساحة لا يُقاس النصر بعدد البوارج فحسب، بل بالقدرة على الصمود خلف طاولات المفاوضات. ومع وقوف الولايات المتحدة وإيران أمام معضلة 'تفاوت الخبرات المؤسسية'، تتسع الفجوة التي تضع واشنطن في مواجهة مأزق حقيقي أمام 'أساتذة التفاوض' في طهران.

نحن أمام صدام بين مدرستين: مدرسة "النهج الصفقاتي"الأمريكية التي تبحث عن الربح السريع، ومدرسة "الصبر الإستراتيجي" الإيرانية التي تعتبر التفاوض عملية "حياكة سجاد" معقدة، تُنسج فيها العقدة تلو الأخرى بصبر يمتد لسنوات.

معضلة الذاكرة المؤسسية  

تكمن الأزمة الكبرى في واشنطن في افتقارها لـ "الاستمرارية". فالنظام الديمقراطي الأمريكي، برغم قوته، يخلق ثغرة أمنية في التفاوض؛ إذ يتغير الفريق الدبلوماسي مع كل إدارة جديدة (كل 4 أو 8 سنوات).  في المقابل، يرسل الجانب الإيراني "جيشاً من المحترفين" الذين قضوا عقوداً في دراسة ذات الملفات.

تشير ويندي شيرمان، في كتابها "ليس لضعاف القلوب" (Not for the Faint of Heart)، إلى أن الجانب الإيراني كان يمتلك قدرة مذهلة على استرجاع تفاصيل تقنية وقانونية من مفاوضات جرت قبل عشر سنوات، بينما كان الفريق الأمريكي يحتاج لأسابيع لمراجعة الأرشيف.

وحين يجلس عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، بخبرته التقنية المتراكمة منذ عام 2013، وجهاً لوجه أمام المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، لا نكون أمام مجرد جولة مفاوضات سياسية، بل نحن أمام صدام حضارات تفاوضية بامتياز. هنا، يواجه "الخبير التقني" المتمرس في دهاليز الملاحق النووية والقانونية، "مستثمراً عقارياً" قادماً من عالم الصفقات التجارية السريعة ومنطق "الربح والخسارة" الفوري.

هذا التباين الصارخ يخلق فجوة إستراتيجية تمنح الجانب الإيراني تفوقاً غير مرئي في إدارة التفاصيل الصغيرة؛ تلك التفاصيل التي يختبئ فيها "شيطان" الاتفاقيات الدولية، والتي يتقن عراقجي حياكتها كغرز السجاد، بينما قد يراها ويتكوف مجرد عقبات بيروقراطية في طريق "الصفقة الكبرى".

الوقت قوة ضاربة

يصف الدبلوماسيون الغربيون أسلوب طهران بأنه "التفاوض تحت النار". فالإيرانيون أساتذة في تحويل "المماطلة" إلى أداة لرفع سقف المطالب.

وفي مقال لافت في مجلة فورين أفيرز، أكد ويليام بيرنز (مدير الـ CIA الحالي) أن واشنطن تقع دائماً تحت ضغط "الدورات الانتخابية" وحاجة الرئيس لنتائج سريعة لتقديمها للناخب أو الكونجرس.


هذا الضغط الزمني هو نقطة الضعف التي يستغلها المفاوض الإيراني ببراعة؛ فهو يدرك أن الأمريكي "مستعجل"، فيقوم بمطّ الجلسات وتحويلها إلى "دراما إنسانية وتاريخية" تستهلك أعصاب الخصم. 
وكما أشار روبرت مالي سابقاً، فإن الإيرانيين يمارسون "الصبر الإستراتيجي" حتى تصل واشنطن إلى لحظة الحرج السياسي، وعندها فقط ينتزعون التنازلات الكبرى في ربع الساعة الأخير، وهو أسلوب "حياكة السجاد" الذي لا تملك واشنطن صبراً لمجاراته.

غياب المتخصصين

تعاني وزارة الخارجية الأمريكية من نقص حاد في "الكوادر النوعية" المتخصصة في الشأن الإيراني. وفقاً لتقرير مركز ستيمسون سنتر (Stimson Center)، هناك فجوة لغوية وسيكولوجية مخيفة؛ فأغلب المفاوضين الإيرانيين (خريجي مدرسة نياوران) يحملون شهادات دكتوراه من أعرق الجامعات الغربية، يتحدثون الإنجليزية ببراعة، ويفهمون "العقلية الأمريكية" وطريقة تفكير مراكز الأبحاث في واشنطن.

في المقابل، يفتقر الفريق الأمريكي لمفاوضين يفهمون سيكولوجية "التعارف" والكرامة الوطنية الإيرانية. هذا الجهل بالثقافة التفاوضية يجعل الأمريكيين يفسرون العناد الإيراني كـ "رفض"، بينما هو في الحقيقة "تكتيك للمساومة". الإيرانيون يفهمون أمريكا أكثر مما تفهم أمريكا إيران، مما يجعلهم دائماً متقدمين بخطوتين في قراءة ردود فعل الخصم.

المفاوض المكبل

تشير تقارير صحيفة فايننشال تايمز، ومركز مجموعة الأزمات الدولية إلى أن المفاوض الأمريكي اليوم يذهب للطاولة وهو "مشتت الذهن". فهو لا يفاوض إيران فحسب، بل يفاوض "صقور الكونجرس" و"اللوبيات الضاغطة" ورؤية البيت الأبيض المتقلبة. هذا التشتت يجعله يذهب للطاولة "مكبل اليدين" بصلاحيات محدودة.

على الجانب الأخر، يتحرك الفريق الإيراني بـ "تفويض مطلق" من المرشد الأعلى، طالما أنه يتحرك ضمن "الخطوط الحمراء" العريضة. هذه المرونة التكتيكية تمنح طهران القدرة على المناورة والمباغتة، بينما يضطر الأمريكي للعودة لواشنطن في كل تفصيلة صغيرة، مما يفقد المفاوضات زخمها ويمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول إن الصراع بين واشنطن وطهران ليس صراعاً على "أجهزة الطرد المركزي" فحسب، بل هو معركة "إرادات ونفس طويل". واشنطن تمتلك القوة الغاشمة (المطرقة)، لكن طهران تمتلك الإبرة التي تخيط بها ثوباً إقليمياً جديداً على مقاسها. وطالما ظلت أمريكا تتعامل مع التفاوض كـ "صفقة عقارية" عابرة، ستظل تسقط في فخاخ "حياكة السجاد" الإيرانية التي لا تنتهي.
 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق النيابة الإدارية تشارك في مؤتمر دولي بالأزهر حول دور الخطاب الديني والإعلامي في حماية حقوق المرأة - بوابة نيوز مصر
التالى أحمد شوبير يكشف موقف مصطفى قابيل من الانضمام للأهلي.. تفاصيل - بوابة نيوز مصر